التوصيات والتوجهات التي اتفقا عليه القوى السياسية المشاركة في الحكومة خلال اجتماع بعبدا عصر اول امس، لا يضع «اليد على الجرح» من حيث ما هو مطلوب، وكان مأمولاً ان ينتهي اليه اللقاء، وفق ما يؤكده خبير مالي - اقتصادي مخضرم - بعد ان توقف باسهاب امام ما خرج به المجتمعون في مقابل ما هو ضروري وحاجة وطنية لمنع الانهيار ولو جرى كسب المزيد من الوقت من خلال بعض الاجراءات «الترقيعية» خصوصاً ان معظم النقاط التي اتفق عليها، هي نقاط نظرية ستبقى حبراً على ورق، بينما بعض النقاط التي ستنعكس ايجابيات محدودة، تطال موظفي الدولة من جهة وبعض الضرائب غير المباشرة من جهة اخرى، وتحديداً زيارة الضريبة على فوائد الودائع بنسبة «واحد بالمئة» الى رفع القيمة المضافة على الكماليات الى 15 بالمئة.

وفي تأكيد الخبير المذكور ان كل ما يروج له من «تطبيل» لمردود هذا الاتفاق بنقاطه التي التي اعلنها رئيس الحكومة سعد الحريري بعد انتهاء الاجتماع، حتى ولو وضعت جميعها موضع التنفيذ، وهو امر مشكوك فيه، فالاتفاق بنقاطه المعلنة يتضمن مجموعة من البنود التي تعبر عن التمسك بنفس السياسات السابقة التي كانت السبب لما بلغته، بينما بعضها الاخر يريد تصفية بعض المؤسسات التي تجبي مبالغ ضخمة للخزينة، بل ان هذه المبالغ يمكن زيادة اضعاف ما هي عليه اليوم، ولو اعتمدت الشفافية، وجرى وقف الصفقات المشبوهة بما حصل في «اوجيرو» وشركتي الخليوي وغيرهما، ولذا يلاحظ الخبير الاقتصادي المالي الاصرار على نفس السياسات السابقة من خلال الاتي:

1- جرى تجاوز نقاط واقتراحات تضمنتها الورقة التي جرى اعدادها في دوائر قصر بعبدا، وبالتحديد تلك المتعلقة بتحسين الانتاج الوطني، او الحد من مكافحة التهريب الضريبي والجمركي، الى امور اخرى.

2- ان خلو بنود الاتفاق من الضرائب المباشرة، لان هناك اطرافاً اعترضت على هذا التوجه لانه يحصر المعالجات المطلوبة «بجيوب» الفقراء بعد الضرائب والرسوم التي اقرت في موازنة العام الحالي، لم يمنع تضمينها ضرائب غير مباشرة وبالاخص رفع القيمة المضافة على الكماليات الى 15 بالمئة فمثل هذه الزيادة سترتد سلباً على المواطن، من خلال توسع ارتفاع اسعار الى السلع الضرورية في وقت هناك عجز مزمن في القدرة على ضبط الاسعار، يضاف الى ذلك ان كثيراً من الكماليات اصبحت من الضروريات اليوم.

3- ان الاتجاه لحصر تمويل شراء النفط والفيول للتغذية بالكهرباء، تعني زيادة غير مسبوقة في ساعات التقنين، وتؤشر في الوقت ذاته الى ان لا جدية بمعالجة ازمة الكهرباء ولا بتنفيذ الخطة التي جرى اقرارها لهذا الخصوص.

4- ان البند الاكثر خطورة وتعويم لشبهات سابقة، يتعلق بالتوجه لتخصيص بعض المرافق ذات المداخيل الكبيرة على الخزينة، مثل «الميدل ايست» والخليوي ومرافق اخرى، بينما في الامكان زيادة مداخيل هذه المرافق خاصة على صعيد شركتي الخليوي اضعاف ما هي عليه اليوم، ولو جرى وقف الصفقات المشبوهة والادارة لهما والتي تحوم حوله شبهات واتهامات مستندة بالارقام والوقائع ويستغرب الخبير الاقتصادي المالي العودة الى سياسة الخصخصة حتى قبل اعداد تقييم بعض المرافق التي جرى خصخصتها، مثل الجباية في مؤسسة كهرباء لبنان وبعض قطاعات المطار وغير ذلك.

ويضاف الى كل ذلك، يبدو واضحاً وفق تأكيد الخبير المذكور ان الحاضرين في لقاء بعبدا، فاتهم المبالغ الضخمة التي تخسرها المالية العامة سنوياً والتي تفوق الخمسة مليارات دولار، جراء الهدر والفساد والتهرب الضريبي وعشرات المسائل المماثلة. وايضاً التغافل عن اقرار الضريبة التصاعدية، حتى لا يتحمل المواطن الفقير، نفس الضرائب والرسوم التي سيتحملها الميسورين واصحاب الثروات الضخمة، وهو ما يعني امرين اساسيين:

- الامر الاول: الاصرار عن سابق تصور وتصميم على ابقاء مزاريب الهدر والفساد والمحميات التي يستفيد منها «المحظوظين» ومن هم مدعومين من «بلاط» اصحاب النفوذ والقرار ليس فقط من خلال «سّد الاذان» عن خسارة المالية العامة لمئات مليارات الدولارات في عشرات المرافق والمرافئ والمؤسسات، بل ايضاً في عدم الاقتراب من «وضع اليد» على املاك الدولة ومخالفات او المؤجرة باسعار رمزية او ما يحصل من صفقات بعضها فيها اختلاسات ومنافع بعشرات ملايين الدولارت، واما ما قيل عن اتفاق لاسترداد الاموال المنهوبة، لا بصدد كوتة «دعابة» للمناصرين.

- الامر الثاني: ليس فقط التغافل عن الاخذ بالضريبة التقاعدية واعفاء اصحاب الثروات مما هو متوجب عليهم، بل ايضاً تناسي ضرورة اعادة النظر بما يحصل من اعفاءات ضريبية لعشرات بل مئات المؤسسات المختلفة ومن كل الانواع، لان اصحابها او المشاركين فيها من المحسوبين على هذا الطرف السياسي او ذاك المسؤول، بدءاً من «سوليدير» وما حصل ويحصل فيها من تجاوزات ضخمة.

لهذا، يخلص الخبير الاقتصادي والمالي ان جلّ ما يمكن ان ينتج عن الاتفاق الذي انجز بين القوى السياسية المشاركة في الحكومة، كسب المزيد من الوقت ما سيفاقم من تزايد مزاريب الهدر والفساد، وفي الوقت نفسه على امل اقناع اطراف «سيدر» بتسييل القروض التي وعدت بها، حتى تتكرر لعبة تأجيل الانهيار.