يصب الحوار الإقتصادي الذي عُقد في قصر بعبدا أمس برئاسة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، وبحُضور مروحة واسعة من القيادات اللبنانيّة، في الخانة نفسها التي تصبّ فيها مُحادثات الدبلوماسي الفرنسي المُكلّف بمُتابعة ملفّ قرارات «مُؤتمر سيدر»، بيار دوكان، في بيروت، لجهة العمل على إنقاذ الوضعين الإقتصادي والمالي. وفي حين أنّ الهدف من حوار بعبدا هو تأمين التغطية السياسيّة الواسعة والضروريّة لأي إجراءات إنقاذيّة قاسية سيتمّ إتخاذها في مجلس الوزراء وإقرارها في مجلس النواب في المُستقبل القريب، فإنّ الهدف من المُحادثات التي سيُجريها المبعوث الفرنسي في لبنان قريبًا جدًا يتمثّل بالبحث في الإجراءات التنفيذيّة والتطبيقيّة لمُقرّرات مُؤتمر «سيدر»، وذلك مع عدد من كبار المَسؤولين اللبنانيّين. فما هي المعلومات بهذا الخُصوص؟

بحسب مرجع إقتصادي رفيع، إنّ «الضوء الأخضر» الدَولي للبدء بتنفيذ مُقرّرات «مُؤتمر سيدر» الذي كان قد إنعقد في العاصمة الفرنسية باريس في نيسان الماضي، قد أُعطِيَ من جانب القوى الكبرى التي شاركت فيه، بعد الإستحصال على تعهّدات لبنانيّة رسميّة بالشروع في تنفيذ المشاريع التي يلحظها المُؤتمر. وكشف المرجع أنّ عدد المشاريع الإستثمارية والإنمائيّة التي ستُوضع مَوضع التنفيذ يبلغ نحو 250 مشروعًا، مُوزّعة على العديد من القطاعات الإقتصاديّة والإنتاجيّة والتنمويّة، إلخ. وقال إنّ لا صحّة لإشتراط الدُول المانحة للهبات الماليّة للبنان، تشكيل «لجنة توجيه» من عدد من الدول الذين شاركوا في «مؤتمر سيدر»، بهدف مُتابعة الخطوات التنفيذيّة للمشاريع المَنوي تنفيذها، بل كل ما في الأمر أنّ الدول المانحة طلبت من الجانب اللبناني الرسمي رفع تقارير دَوريّة عمّا سيتمّ تطبيقه ميدانيًا بأموال «المُؤتمر»، حيث سيتمّ التعاون من جهة بين مُمثّلين عن كل من البنك الدَولي وصندوق النقد الدَولي وعن غيرهما من الهيئات الدَوليّة الفاعلة، ومن جهة أخرى مُمثّلين عن الدولة اللبنانيّة وعن الوزارات المعنيّة بالقروض، إضافة إلى مُمثّلين عن المجلس الأعلى للخصخصة، وعن مجلس الإنماء والإعمار، إلخ.

ولفت المرجع الإقتصادي الرفيع إلى أنّ البنك الدَولي الذي قرّر تقديم الحصّة الأكبر من القروض للبنان وقدرها 4 مليار دولار أميركي ستُسدّد على مدى 5 سنوات، سيُتابع عن قُرب، وجهة صرف الأموال التي تمّ تأمينها خلال «مؤتمر سيدر»، مثله في ذلك مثل «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» الذي قرّر بدوره تقديم ما قيمته 1,25 مليار دولار على مدى 6 سنوات، في حين أنّ بعض الجهات المانحة الأخرى، مثل السُعودية وقطر وغيرهما، تُدخل مُساعداتها في خانة سياسيّة ومَعنويّة أكثر منه إقتصاديّة بحت. وذكّر بأنّ الحصيلة الإجماليّة لقروض «مُؤتمر سيدر» كانت بلغت ما مجموعه 11 ملياراً و800 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ لا يُستهان به، في حال إلتزام كل الدول والجهات المُشاركة بالمُؤتمر بتسديد حصّتها منه، وفي حال إستغلاله وإستثماره بشكل ذكي وشفّاف من جانب السُلطة اللبنانيّة.

وبالنسبة إلى الوجهة الأساسيّة لهذه المشاريع التنفيذيّة، أشار المرجع الإقتصادي الرفيع إلى أنّ جزءًا مُهمًّا من الأموال المَمنوحة إلى لبنان ستُستخدم لتطوير شبكات ضخّ ونقل المياه بين المناطق، ومحطات تخزين وتكرير المياه، وكذلك شبكات الصرف الصحّي وتكرير المياه المُبتذلة، نظرًا إلى الأهميّة المُتصاعدة للمياه في العالم عُمومًا، وخاصة في المناطق الحارة والجافة إلى حدّ ما، كما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط الذي يُشكّل لبنان جزءًا منها على الرغم من تمايز مناخه نسبيًا. وأضاف أنّ جزءًا مُهمًّا آخر من هذه الأموال سيُوجّه لمشاريع تطوير النقل الحضري المُستدام خاصة في بيروت الكبرى، وعلى الخط الساحلي بين ضبيّة ومنطقة نهر إبراهيم، وعلى طريق الجنوب من بيروت وُصولاً إلى مُستديرتي صيدا وصور، وكذلك لتطوير قدرات موانئ لبنان البحريّة على لعب دور تنموي على صعيد خدمات النقل البحري التجاري والسياحي، حيث سيتمّ تطوير مرافئ طرابلس وصيدا وصور لهذا الهدف. وتابع المرجع نفسه أنّ التمويل الدَولي سيُخصّص أيضًا لمشاريع مُرتبطة بتطوير معامل إنتاج الطاقة الكهربائية، وشبكات نقل التيّار ومدّ خُطوط التوتّر العالي وخطوط النقل العادية أيضًا.

ومن بين المشاريع المَرسومة والتي سيشملها «الضوء الأخضر» للإستثمارات ـ ودائمًا بحسب المرجع الإقتصادي الرفيع، تطوير بعض المناطق الصناعيّة، في البقاع والشمال بشكل خاص، وتطوير عمليّات إدارة النفايات الصلبة، وكذلك تطوير بعض المراكز الثقافيّة والسياحيّة والحفاظ على الأرث الثقافي وإعادة تأهيل بعض المباني التراثيّة وبعض المواقع السياحيّة المُهملة، إلخ.

وختم المرجع الإقتصادي الرفيع كلامه بالقول إنّ إجتماع بعبدا الإقتصادي هو بمثابة «ضوء أخضر» غير مُباشر لإطلاق مشاريع «سيدر»، من خلال إظهار حرص لبنان على إتخاذ كل ما يلزم من قرارات ومن إجراءات لمُعالجة الخلل في مُوازنته، ولتخفيض العجز المالي الذي يُعاني منه، وخُصوصًا لمُكافحة الفساد الذي ينخر العديد من مُؤسّساته، حيث أنّ المُجتمع الدَولي لن يُقدّم أيّ اموال قبل أن يبدأ لبنان الرسمي بمُعالجة الخلل الإقتصادي الفاضح في مداخيل الدولة في مُقابل مصاريفها.