ان كانت التطورات على الحدود الجنوبية الأحد الماضي خطفت الى حد بعيد الأضواء من خطاب رئيس حزب «القوات» سمير جعجع في ذكرى شهداء «المقاومة اللبنانية»، الا أن مضمونه التصعيدي ما لبث أن أخذ مداه بعد انحسار التطورات الأمنية العسكرية، لينبىء بمواجهات سياسية مقبلة تجعل النصف الثاني من العهد لا يشبه بشيء القسم الأول منه.

وتقر مصادر «القوات» بأن خطاب جعجع «يمهد لاعلان المواجهة السياسية المفتوحة مع كل طرف يخرج عن المبادىء السيادية والوطنية ومعايير قيام الدولة كما عن تطبيق القوانين المرعية والالتزام بالدستور»، لافتة الى ان حزب «القوات» مر بعدة مراحل منذ العام 2005، «الا أن الظروف الانقسامية العمودية كانت تجعله مضطرا لغض النظر عن ممارسات لا ترتقي الى ما يراه على مستوى الممارسة الوطنية نتيجة التحالفات السياسية التي كانت قائمة في حينها، أما بعد العام 2016 ومع التسوية الرئاسية دخلت البلاد مرحلة جديدة واكبناها حتى يومنا هذا، ما استدعى ان نتخذ قرارا صريحا بمواجهة كل من يبدّي مشروع الدويلة على مشروع الدولة وكل من يعمل على توسيع نطاق المزرعة من خلال استفحاله بسياسة الفساد والمحاصصات». وتضيف المصادر: «منذ الآن وصاعدا، نقولها بالفم الملآن، لا حليف نغض النظر عن ارتكاباته، وخصم ننصرف حصرا لمواجهته بالسياسة، الكباش سيكون مع كل من يتخطى المعايير التي وضعناها لبناء الدولة، ومن يلتقي معنا على هذه المعايير وعلى الشروط السابق ذكرها، فأهلا وسهلا به حليفا لنا».

وتتوجه المصادر بكلامها الى الأخصام السياسيين التقليديين لـ«القوات» كحزب الله و«التيار الوطني الحر» وغيرهم كما لحلفاء الماضي القريب كتيار «المستقبل» وحركة «أمل» وغيرهم الذين تعتبر أنهم خذلوا الحزب في أكثر من محطة. ولعل تجربة تعيينات المجلس الدستوري، هي التي سرّعت باتخاذ قيادة معراب خيار المواجهة التي تؤكد انها ستحتدم في الاسابيع والاشهر القليلة المقبلة مع انطلاق عملية فتح الملفات التي يعتبر القواتيون ان فيها محاصصة وفساد.

ويرى مطلعون على علاقة «القوات» ـ «الوطني الحر» أن ما حصل في التعيينات لجهة ما حكي عن «انقلاب عوني» على التفاهمات، اضافة لخطاب جعجع الأخير بمثابة اعلان لانطلاق المعركة على الرئاسة المقبلة بين جعجع وباسيل لأن المهادنة والاتفاق لا ينفعان الرجلين في النصف الثاني من عهد الرئيس ميشال عون الذي يفترض أن يكون تحضيرا لعهد أحدهما. لذلك وبالرغم من موجة الاعتراضات العلنية والحملة الكبيرة التي نشبت وقادها نواب تكتل «لبنان القوي» بعد خطاب جعجع الأخير، الا ان مصادر «الوطني الحر» لا تستغرب اللغة التي اعتمدها رئيس «القوات» والتي مهد لها نوابه وبخاصة بعد اتمام مجلس الوزراء تعيينات أعضاء المجلس الدستوري، لافتة الى ان «القواتيين لربما باتوا يجهلون اسس اللعبة السياسية وانها ليست «كاريتاس» بل تخضع للأحجام ولمن يحسبها صح، فاذا أخطأوا حساباتهم، لسنا نحن من يتحمل المسؤولية».

وتأخذ مصادر «الوطني الحر» على جعجع أنه يريد ان يكون جزءا من السلطة وبالتالي ان تكون له حصص في التعيينات، وان كان يصر ليل نهار على نفي ذلك، والا كيف نفسر الحملة الهوجاء التي يشنها وفريقه السياسي بعد تخطيهم في تعيينات «الدستوري»، وفي نفس الوقت يريد ان يمارس دور المعارضة التي لا تنفك تعارض كل مشاريع وآداء السلطة طامحا بذلك الى تحقيق شعبية «على ظهرنا». وتضيف المصادر: «حان الوقت كي يحسم أمره نهائيا، لأن جمهوره احتار معه ولم يعد يعرف اذا مان عليه أن يبرر للسلطة او ان يمسك بيد «الكتائب» وبعض النواب المستقلين لمواجهة الحكومة. على القيادة في معراب ان تتذكر ان لديها في الحكومة الحالية 4 وزراء، فاما تطلب منهم تقديم استقالاتهم وتمضي مترفعة الى صفوف المعارضة الحقيقية، ام تكون على مستوى المسؤولية فتتحمل معنا صعوبات هذه المرحلة وبخاصة من الناحية الاقتصادية والمالية كي نتخطاها سويا... كل ما عدا ذلك جعجعة لا تقدم ولا تؤخر وستضرهم سواء في المعركة النيابية المقبلة او تلك الرئاسية التي هم أبعد ما يكونون عنها، رغم محاولاتهم الدائمة الايحاء بالعكس».