والفضل للهندسات المالية التي يقوم بها المصرف

مخاوف من عدم قدّرة الدوّلة على محاربة الفساد

بروفسور جاسم عجاقة

أدرجت وزارة الخزانة الأميركية جمّال تراست بنك على لائحة العقوبات «أوفاك» (OFAC List) وذلك بعد أيام من العدوان الإسرائيلي والخرق للسيادة اللبنانية. وإذا كان التوقيت يبدو سياسيًا بإمتياز، إلا أن وزارة الخزانة الأميركية علّلت هذا الإدراج بأنه أتى على خلفية «تيسير أنشطة حزب الله عن قصد» من قبل جمّال تراست بنك. وأضافت أن جمّال تراست بنك يتمتّع «بعلاقة طوية الأمد مع كيان مالي رئيسي لحزب الله ويُقدّم خدمات مالية إلى المجلس التنفيذي لحزب الله ومؤسسة الشهيد في إيران». وإعتبرت وزارة الخزانة الأميركية في بيانها أن جمّال تراست بنك يُشكّل «تهديدًا مباشرًا لسلامة النظام المالي اللبناني» وذلك من خلال تقديم المصرف الدعم والخدمات للعديد من المؤسسات المُدرجة على لائحة العقوبات.

كما أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية كل من شركة تراست للتأمين المحدود، وشركة تراست للتأمين ش.م.ل، وشركة تراست للتأمين على الحياة على لائحة العقوبات وكلها شركات مملوكة أو مُسيطر عليها من قبل شركة جمّال تراست.

البيان لم يخلو من رسائل سياسية عميقة بإتجاه المؤسسات الإقتصادية والمالية اللبنانية كما وبإتجاه الحكومة وحزب الله. فعلى صعيد المؤسسات الإقتصادية والمالية، وجّهت وزارة الخزانة الأميركية رسالة واضحة تنصّ على أن كلّ من يُخالف قانون العقوبات سيتمّ إدراجه على لائحة العقوبات مهما كانت صفته. أمّا على الصعيد السياسي فقد دعت الخزانة الأميركية الحكومة اللبنانية أن «لا تدخر جهداً لتخفيف التأثير على أصحاب الحسابات الأبرياء الذين لا يدركون أن حزب الله يعرض اقتصاداتهم للخطر». أمّا الرسالة لحزب الله فتنصّ على أن الولايات المُتحدة الأميركية مُستمرّة في سياسة التضييق المالي على الحزب عبر ضرب كل مؤسسة تُقدّم له الدعم.

التداعيات المالية والمصرفية شبه معدومة مع حجم ضئيل نسبة إلى حجم القطاع المصرفي اللبناني إذ أن إجمالي موجودات جمّال تراست بنك تُشكّل 0.36% من إجمالي الموجودات، وحجم ودائع 0.45% من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي، وتسليفات تُشكّل 0.77% من إجمالي تسليفات القطاع المصرفي، وأموال خاصة إجمالية تُشكّل 0.36% من إجمالي أموال القطاع المصرفي الخاصة الإجمالية، وأرباح صافية تُشكّل 0.19% من إجمالي أرباح القطاع المصرفي.

أمّا على صعيد الودائع فتعاميم مصرف لبنان هي من الأكثر صرامة على هذا الصعيد حيث أن المصرف مُلزم بتنويع المصارف المراسلة (المصنّفة في الفئة «أ») والإستثمارات عملا بتعاميم صادرة عن المصرف وعن لجنة الرقابة على المصارف مما يضّمن أعلى نسبة أمان للودائع إضافة إلى وضع المصرف قسم من الأموال في مصرف لبنان لتغطية أي خسارة مُمكنة على هذا الصعيد. وبالتالي، فإن الإجراءات التي سيتمّ القيام بها هي نقل حسابات زبائن جمّال تراست بنك إلى مصرف أخر يكون أغلب الظن من يشتري أصول المصرف. مما يعني أن العملاء لن يلاحظوا الفارق إلا على صعيد تحديث نموذج «إعرف عميلك» (KYC ) وهو عبارة عن نموذج يحوي معلومات عن العميل (الزبون) ومفروض على المصرف جمعها.

الجدير ذكره أن جمّال تراست بنك لم يُفّلس بل تمّ إدراجه على لائحة العقوبات الأميركية مما يعني إستحالة أي مصرف أخر التعامل معه تحت طائلة التعرّض للعقوبات. وهذا الأمر يعني أن لا خطّر على الودائع من أين نوع كانت.

ويبقى القول أن بعض الحسابات المشبوهة (من قبل الخزانة الأميركية) سيتمّ تجميدها إلى حين إنتهاء التحقيق.

} إحتياطات مصرف لبنان }

في هذا الوقت تستمر إحتياطات مصرف لبنان بالإرتفاع حيث وصلت إلى 38.6 مليار دولار أميركي مع جذب 1.4 مليار دولار أميركي من العملة الصعبة من الخارج في شهر آب وذلك بفضل الهندسة المالية الأخيرة التي قام بها مصرف لبنان والتي سمحت بتحقيق عدّة أهداف نذكر منها:

أولا دعم وضع الليرة اللبنانية تجاه الدولار الأميركي وهو أمر حيوي مع تعرّضها لوابل من الإشاعات من أشخاص «مشبوهين»؛

ثانيا إعطاء الثقة للمستثمرين الأجانب والدول المُقرضة في مؤتمر سيدر من خلال الثقة التي وضعها المودعون في المصارف التجارية؛

ثالثا إعطاء دعم لمالية الدولة اللبنانية من خلال رفع الثقة بالنظام المالي المُعتمد في لبنان حيث أن وكالات التصنيف الإئتماني توقّعت تراجع الإحتياط، فإذ به يزيد؛

رابعا إعطاء هامش تحرّك زمني للحكومة اللبنانية لإجراء الإصلاحات المالية والإقتصادية اللازمة.

كل هذا بفضل الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان وحاكمه الذي إستحقّ لقب الـ 9999 وهو لقب يُعطى للشخص الذي يمّتلك خبرة هائلة.

الجدير ذكره أن قصة الـ 9999 تعود إلى مصنع يمتلك آلة حديثة من صنع ألماني درّب عليها موظّفين كما ومهندسين لصيانتها. وفي أحد الأيام تعطّلت هذه الآلة ولم يستطع المهندسون تصليحها، وعند الإتصال بالشركة المُصنّعة طلبت فترة من الزمن قبل إرسال مهندسيها لتصليح الآلة. فما كان من أحد الأشخاص إلا أن إقترح على مدير المصنع طلب خدمات رجل كبير في السن ومعروف عنه في مجال تصليح الآلات. وعند حضور هذا الأخير لمُعاينة الآلة قام بأخذ مطرقة وضرب الآلة في نقطة مُحدّدة فإذا بها تعمل من جديد. وعند سؤال المدير عن أجرة يدّ الرجل الكبير في السنّ، قال له أريد عشرة آلاف دولار أميركي، فإستهجن المدير وقال له: هل ثمن ضربة مطرقة 10000 دولار أميركي؟ فردّ الرجل العجوز قائلا: كلفة ضربة المطرقة هي دولار واحد، أمّا الـ 9999 دولار الباقية فهي لمعرفة أي يجب ضرب المطرقة.

} إجتماع بعبدا الإقتصادي }

بالتزامن، يلتئم مُعظم رؤساء الأحزاب السياسية في بعبدا في إجتماع برعاية الرئيس ميشال عون وحضور الرئيسين نبيه برّي وسعد الحريري وبعض الوزراء لمناقشة ورقة وضعتها اللجنة الإقتصادية الإستشارية للرئيس عون والتي تتضمّن عدداً من الخطوات يهدف من خلالها إلى الحصول على موافقة رؤساء الأحزاب عليها للمضي في تطبيقها. وتضمّ هذه الإقتراحات عدّة نقاط تمّ تجميعها في أربعة محاور:

أولآ معالجة وضع الموازنة العامة وتنامي الدين العام، ولا سيما ملف الكهرباء.

ثانيًا معالجة الخلل الموجود في ميزان المدفوعات وتبعاته على نزيف الدولة بالعملات الأجنبية خصوصاً بسبب العجز المرتفع في الميزان التجاري.

ثالثًا كيفية تحريك النمو الاقتصادي وتنشيطه.

رابعًا إجراءات خاصة بمعالجة المشكلات الاجتماعية.

يُذكر أن هذه الورقة أعدّها خبراء اقتصاديون ينتمون إلى عدّة أحزاب (التيار الوطني الحرّ، القوات اللبنانية، حركة أمل، حزب الله وتيار المُستقبل) وبالتالي من المُتوقّع أن تستحصل على رضى هذه الأحزاب من دون معارضة إلا من قبل الأحزاب خارج السلطة.

بعض الإجراءات في هذه الإقتراحات هي إجراءات ضريبية تمّ تسريب قسم منها إلى الإعلام وتضمّ رفع الضريبة على القيمة المضافة على الكماليات إلى 15%، والإبقاء على نسبة 11% على السلع والمواد غير الكماليات، وضع رسم 5000 ليرة لبنانية على صفيحة البنزين أو وضع حدّ أدنى لسعرها، رفع نسبة الضرائب على الودائع المصرفية... وبالإضافة إلى هذه الإجراءات هناك إقتراحات لرفع الدعم عن كل السلع والبضائع المدعومة مثل القمح، الشمندر، المازوت، الكهرباء وغيرها وهذا يعني رفع تسعيرة الكهرباء بثلاثة أضعاف أقلّه.

كلّ هذه الإجراءات نُقدّرها بقيمة لا تقلّ عن مليار ونصف مليار دولار أميركي بالإضافة إلى ما لا يقل عن 300 إلى 400 مليون دولار أميركي ضرائب في خطّة النفايات.

بالطبع هناك العديد من الأفكار الأخرى التي ستطرحها بعض القوى السياسية وفيها العديد من الضرائب والرسوم وإلغاء مكتسبات إجتماعية.

إلا أن ما يتخوّف منه المواطنون هو أن تكون هذه الإجراءات خالية من أي قرار فعلي لمحاربة الفساد المُستشري في إدارات الدوّلة ووزراتها ومؤسساتها وعلى رأسها الجمارك والمنقاصات العمومية والأملاك البحرية والنهرية والتهرّب الضريبي وغيرها من الأماكن التي تُقدّر فيها كلفة الفساد بأكثر من 5 مليار دولار أميركي سنويًا!!!

ونتوقّع أن تكون ردّة فعل الشارع على هذه الإجراءات كبيرة مع تظاهرات إحتجاجية قد تُلوّن خريف لبنان مع إرتفاع الأقساط المدرسية وإزدياد البطالة ومعها نسبة الفقر.