كل شيء هنا باستثناء ذلك الشيء الذي يدعى... الدولة!

لامارتين حدثنا عن القرى التي تضاجع القمر. فيروز دعتنا الى رقصة التانغو مع القمر. الطبقة السياسية جعلتنا نرقص الفالس مع الجرذان. أي دولة في العالم، اي مزرعة في العالم، عرفت، تلك الأزمة المستحيلة؟ أزمة القمامة...

أين العبقرية اللبنانية لحل الأزمة؟ هذا لكثرة ما بالغنا في التسويق لعبقريتنا. من صناعة الأبجدية الى ذلك الكلب الرائع الذي دلنا، بأسنانه، على الأرجوان. تيودورا، زوجة الأمبراطور البيزنطي يوسنيانوس قالت له، لدى محاولته الفرار من المعركة، «رداء الأرجوان ـ أي رداء الدم ـ أحلى الأكفان».

كنا نحسب أن اختلافنا، كطوائف وكقبائل، حول «أي مستقبل للبنان؟». نختلف حول «الزبالة». في حرم أي طائفة نطمرها؟ الفديرالية تبدأ من هنا. كانتونات القمامة...

هذه مشكلتنا الوجودية. محام لبناني في فرنسا التقى بقريبة للجنرال هنري غورو. قالت انها كانت في صدد الكتابة حول ما نقلت أمها عن بطل المارن، ومن الصدام الدموي مع يوسف العظمة في ميسلون، الى الصدام السياسي مع البطريرك الياس الحويك الذي صرخ في وجه المفوض السامي الفرنسي، وكان يقلد يوليوس قيصر، لا هيفاء وهبي، في مشيته، حين حاول التراجع عن مشروع «دولة لبنان الكبير»، والحاق لبنان بفديرالية تضم الدويلات السورية التي استحدثها الانتداب.

ثمة من نصح السيدة الفرنسية بألاّ تحرق أصابعها بتلك المسألة. كانت ستفاجأ بأن سياسياً لبنانياً استعاد، في سهرة مع الجنرال، صوراً درامية من القرن التاسع عشر. كل طائفة في لبنان تعتبر نفسها «شعب الله المختار». لم تكن أبواب الدولة فقط مقفلة أمام غالبية الرعايا. أبواب السماء أيضاً.

هنري كيسنجر أخطأ حين اعتبر أن الصراع في الشرق الأوسط هو بين نصف الله والنصف الآخر. غورو تحدث، لدى عودته الى باريس، عن صراع «أنصاف الآلهة» في لبنان. أخيراً، علمنا لماذا يطبق أولياء الأمر على صدورنا. انهم ورثة أنصاف الآلهة...

في لحظة ما، لاحظ غورو أن الدولة التي قام بتركيبها غير قابلة للبقاء. يكفي أن ينظر الى رجال الدين الذين تحلقوا حوله على سلّم قصر الصنوبر ساعة اعلان «دولة لبنان الكبير». من يستطيع في ذلك الشرق، وهو معسكر الغيب، كما وصفه المستشرق الشهير برنارد لويس، أن يضع كل تلك النيران في سلة واحدة؟ الجنرال تنبأ، منذ مائة عام، بأن اللبنانيين سيتحسرون على الانتداب الفرنسي. يا حضرة الجنرال، نكاد نتحسر على النير العثماني.

لو تسنى لأبي بكر البغدادي، ولأبي محمد الجولاني، أن يشقا الطريق من سفوح السسلسلة الشرقية الى ضفاف المتوسط، لرفرفت الراية العثمانية ثانية على السرايا.

من الرئيس رفيق الحريري، سمع رجب طيب اردوغان مصطلح «الفينيق اللبناني». ربما كان الرئيس التركي يخطط لتعليق الفينيق على حبل المشنقة.

ألم تفعل الطبقة السياسية بلبنان ما كان يمكن أن يفعله حملة السواطير اياهم؟ لاحظوا مستوى الذعر من تقرير «ستاندارد اند بورز». تقرير من وكالة تصنيف دولية يزعزع الجمهورية. هؤلاء الذين جعلوا لبنان في منتصف الطريق بين المغارة والمقبرة.

من السقوط التراجيدي في الحرب الأهلية الى السقوط التراجيدي في المديونية العامة. الذين يغرقون في الجدل البيزنطي حول «الاستراتيجية الدفاعية»، هل يلاحظون الى أين يتدحرج رغيف الخبز؟