جولة أوروبية يخوض غمارها رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون، حاملا على عاتقه مهمة إقناع الأوروبيين بإعادة الاتفاق حول ملف البريكست.

ورغم إعلان الاتحاد الأوروبي رفضه القاطع لمقترح جونسون، استقبلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ومن بعدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جونسون.

ورغم المرونة التي أظهرتها ميركل وماكرون خلال اللقاء، استبعد محللون إمكانية قبول أوروبا بمقترحات جونسون، حتى في ظل الأوراق القوية التي يمتلكها.

زيارات أوروبية

قام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بجولة أوروبية في ألمانيا وفرنسا، من أجل إقناع أكبر قوتين أوروبيتين بإعادة التفاوض بشأن البريكست.

وقالت شبكة "بلومبرج" الأمريكية، إن جونسون طالما هدد بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر/تشرين الأول، حتى وإن كان ذلك دون اتفاق.

واقترحت ميركل أنه قد يكون من الممكن إيجاد حل خلال الشهر المقبل إذا كان بإمكان جونسون تقديم أفكار واقعية؛ مما دفع رئيس الوزراء البريطاني إلى الإشادة "بروح التعاون"، لكن تصريحات ماكرون أضعفت من هذا التفاؤل.

وقال ماكرون للصحفيين وهو يقف إلى جانب جونسون:

اسمحوا لي أن أكون واضحا للغاية، لن يكون هناك اتفاق خروج من الاتحاد الأوروبي، مختلفة تماما عن ذلك الموجود، خلال 30 يوما، وعلينا احترام ما تم التفاوض عليه.

وكان البرلمان البريطاني قد رفض ثلاث مرات، الموافقة على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي تفاوضت عليه رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، مع حكومات الاتحاد الأوروبي الـ27 الأخرى.

ويطالب جونسون الاتحاد الأوروبي بإلغاء ما يسمى بالخطة البديلة، وهي الآلية المصممة لإبقاء الحدود الأيرلندية خالية من الإجراءات المعقدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي البنود التي تعد جزءا أساسيا من الاتفاق.



وعن الأوراق التي تملكها بريطانيا، قال إنه "في حالة الخروج بلا اتفاق، سيقول جونسون ما قاله لماكرون وميركل خلف الأبواب المغلقة، نحن لن نقيم أية حدود حتى ولو مجرد شارة، وهذا سيتسبب في مشاكل كبيرة لهم، ولا يملك الاتحاد الأوروبي قوة بوليسية أو جيش يحمي الحدود".

ومضى قائلًا:

أما الورقة الثانية التي تملكها لندن تتمثل في أن 90٪ من صادرات الجمهورية الأيرلندية الزراعية الطازجة إلى أوروبا تمر بعبور الشحنات عبر البحر إلى إنجلترا، وبرا الي موانئ دوفر وفليكستو، ومنها إلى كالية وأوستند في بلجيكا وهوك أو هولاند في هولندا، هذه الرحلة تستغرق ما بين 14 و 18 ساعة أي تصل المنتجات طازجة في اليوم نفسه، إذا أغلقت الحدود ستتكلف أيرلندا مبالغ باهظة لتوسيع موانيها الشرقية والجنوبية وتستغرق الرحلة نفسها ما بين 28 إلى 32 ساعة، مما يفسد المنتجات ويرفع ثمنها".

وأنهى حديثه قائلًا: "الورقة الثالثة أن بريطانيا سترفض دفع مبلع 39 مليون جنيه إسترليني، وبروكسل لن تستطيع اللجوء للمحكمة الدولية لأن الاتحاد الأوروبي لم يوقع على بروتوكول فيينا لعام 1961 للمعاهدات الدولية التي تتم المقاضاة تحت بنودها".

رفض أوروبي

بدوره قال مصطفى الطوسة، الإعلامي والمحلل السياسي المقيم في فرنسا، إن "الجولة التي يقوم بها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، هي الفرصة الأخيرة لمحاولة إقناع دول الاتحاد الأوروبي بالتفاوض من جديد حول تداعيات البريكسيت".

وأضاف في تصريحات لـ "سبوتنيك"، أن "بعد لقائه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، بوريس جونسون التقى إيمانويل ماكرون، والرئيس الفرنسي استبق هذه الزيارة بالإعلان أن مفاوضات جديدة حول الاتفاق الذي وقع مع تريزا ماي ليس خيارا مطروحا".


وتابع:

تأتي زيارة جونسون في وقت دخلت علاقات بريطانيا بالاتحاد الأوروبي أيامها الحاسمة، حيث بدأت بوادر طلاق بدون اتفاق تلوح في الأفق وترسم ملامح سيناريوهات كارثية بالنسبة لاقتصادات المنطقة، وقد جاءت التسريبات التي نشرت في الصحافة الأوروبية حول حجم الخسائر التي قد تتمخض عنها عملية طلاق بدون اتفاق لترسم هول التحديات التي تواجه القارة العجوز، وهي تحاول فك الارتباط مع الجزيرة البريطانية المتمردة.

وأشار إلى أن "جونسون يخاطب القيادة الأوروبية في بروكسل بلغة متعجرفة، إما أن تقبلوا شروطي وإما أن انفصل عنكم بدون اتفاق"، مضيفًا: "شروط جونسون تطالب بالتخلي عما سمي بشبكة الأمان في أيرلندا، التي قد تحول دون عودة حدود صلبة بين الأيرلنديتين".

وأكد الطوسة أن "جونسون يراهن على الفزع الذي قد ينتاب دول الاتحاد الأوروبي من تداعيات انفصال بدون اتفاق قد يدفع دول الاتحاد إلى تقديم تنازلات، وهو رهان على شكل مناورة سياسية وإعلامية".

هدية ثمينة

وتساءل "كيف يعقل أن يقدم الاتحاد الأوروبي هدية ثمينة لبوريس جونسون في شكل تنازل محوري رفضه حتى آخر رمق لتريزا ماي تسبب في المحنة السياسية التي عاشتها وتوجت باستقالة استعراضية مهدت الطريق لمجيئ بوريس جونسون".

ومضى قائلًا: "بتشجيع علني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يلوح بوريس جونسون بشكل صارخ أنه سيقود مغامرة الانفصال دون اتفاق، ومن ثم يحاول أن يبعث برسالة واضحة لباقي الأوروبيين، أنه قادر على إحداث قطيعة قد تشكل ضربة موجعة لمصالحهم الحيوية، وتزعزع اقتصاداتهم إلى درجة إحداث موجة ركود تنموي، وهذا الوضع يجعل من جونسون تهديدًا حيويًا على مستقبل العلاقات البريطانية الأوروبية"؟.

وعن الاستعدادات الأوروبية، أضاف:

يراهن الأوروبيون على الديناميكية الداخلية للمشهد السياسي البريطاني، التي تصر كما تقول استطلاعات الرأي على رفض جماهيري لخروج بريطانيا دون اتفاق، وقد تبنت هذه المعركة وأبعادها فعاليات داخل البرلمان البريطاني التي قد تفرض قيودًا على هامش المناورة التي يقودها جونسون ربما تفرض عليه الاستقالة أو انتخابات تشريعية مبكرة.


وأنهى حديثه قائلًا "هناك استعدادات تجرى في فرنسا وألمانيا لمواجهة كل الاحتمالات الممكنة".

ألمانيا وفرنسا

وأشارت ميركل إلى أنه يمكن التوصل إلى حل بديل للحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، وهي واحدة من أهم النقاط العالقة أمام التوصل لاتفاق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال 30 يوما.

وأضافت في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في برلين، إنها تؤكد أن الأمر يرجع إلى بريطانيا في التوصل إلى خطة بديلة قابلة للتنفيذ.

ومن جانبه ذكّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الخميس، بموقف فرنسا "الثابت" تجاه مسألة "بريكست"، وهو احترام قرار الشعب البريطاني.

وقال ماكرون خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من أمام قصر الإليزيه: "موقف فرنسا واضح بشأن بريكست، وهو احترام قرار الشعب البريطاني وتطبيقه".

وشدد ماكرون على ضرورة الحفاظ على العلاقة "المهمة" مع المملكة البريطانية "بغض النظر عن الظروف أو الوقت الحالي"، وعلى "ضرورة تعزيزها وتعميقها"، قائلاً إن "الاتحاد الأوروبي سيبرم اتفاقا آخر مع المملكة البريطانية لتحديد العلاقة المستقبلية".

واعتبر ماكرون أن كل السيناريوهات مطروحة لخروج المملكة البريطانية من الاتحاد وعلى رأسها سيناريو الخروج من دون اتفاق، وفي هذا الصدد قال: "نتحضر لكل السيناريوهات ومنها الخروج من دون اتفاق لكن نحن لا نأمل أن يحدث هذا السيناريو الأخير".

وأكد ماكرون على ضرورة حماية السوق الواحدة معتبرا أن "مستقبل المملكة البريطانية هو في أوروبا".

وأردف قائلا "كصديق وحليف للمملكة البريطانية أقول لها أنت من تقررين مصيرك". وذكر ماكرون بضرورة اعتماد الشفافية والوضوح في النقاشات المفاوضات حيث قال: "ديمقراطياتنا تعاني من غياب النجاعة وعدم الوضوح ويجب تغيير هذا الوضع".

المصد: سبوتنيك