سلامة يرفض المسّ بسعر صرف الليرة اللبنانية... تحريرها سيضرب المواطن اللبناني

مكاتب الصيرفة تُمعنّ بمخالفة القانون... ودعوة إلى تطبيق المادتين 319 و320 من قانون العقوبات

بروفسور جاسم عجاقة

الأزمة المالية التي تعصف بلبنان دفعت بالبعض إلى إقتراح حلول على الطريقة اللبنانية وبعيدًا عن العلم والمعرفة. فقد إقترح بعض المستشارين على مرجعيات سياسية كبيرة تخفيض سعر الليرة مقابل الدولار الأميركي لتُصبح قيمتها 3000 ليرة لكل دولار أميركي واحد. وعلّل هؤلاء الجهابذة إقتراحهم بأن هذا الأمر سيُخفّض الكلفة المالية على خزينة الدوّلة حيث أن بندًا مثل بند الأجور في القطاع العام والذي بلغ الـ 9000 مليار ليرة لبنانية في العام 2018، تُصبح كلفته على الخزينة النصف أو أن قيمة الديّن العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي ستنخفض نتيجة زيادة التضخّم. كما أن الإنفاق العام بالليرة اللبنانية سينّخفض أيضًا إلى النصف كما هي حال المستحقات للمورّدين مثل المستشفيات والمقاولين وغيرهم. وبالتالي تحلّ الدوّلة مُشكلتها.

هذا الطرح تمّ عرضه على حاكم مصرف لبنان من قبل المرجعيات السياسية، والذي كرّر موقفه الرافض لخفض سعر صرف الليرة نظرًا إلى الضرر الإجتماعي والتداعيات على الإقتصاد من باب التضخّم المفرط واعدًا بالحفاظ على سعر الصرف الحالي على الرغم من كلفته العالية على مصرف لبنان (وليس على الخزينة العامّة). الجدير ذكره أن تعويم الليرة (أي تحرير سعر صرفها) هو مطلب لصندوق النقد الدولي وهو مطلب يطلبه الصندوق من كل الدوّل كما فعل مع مصر أخيرًا. إلا أن هذا المطلب، وبحسب حاكم مصرف لبنان هو مستحيل نظرًا إلى إعتماد لبنان على الدولار حيث تبلغ نسبة دولرة الإقتصاد 75% في العمليات التجارية ولبنان يستوردّ بنسبة كبيرة نسبة إلى الناتج المحّلي الإجمالي! ويرى سلامة أن دولرة الإقتصاد مع ضعف الصادرات اللبنانية يمّنع لبنان من الإستفادة من ميزة تنافسية كما هي الحال في الدول التي تتمتع بماكينة إقتصادية قويّة. وذكّر أن تثبيت سعر صرف الليرة يهدف بالدرجة الأولى الى استقرار الأسعار وبالتالي دخول منتظم لرؤوس الأموال.

قام الباحث الإقتصادي رينهارت بدراسة (Growth in a Time of Debt ) عن العلاقة بين النمو، الدين العام والتضخم في الولايات المُتحدة الأميركية منذ العام 1970. وبحسب هذه الدراسة، فان التضخم يلعب دور المُنظم في أوقات الأزمات ويسمح باعادة التوازن المالي. ويعتقد بعض الاقتصاديين الأميركيين أن تضخماً بنسبة 5 الى 6% يسمح للولايات المُتحدة الأميركية بتخفيف وزن دينها العام. إذًا هذا النتيجة لا تصحّ إلا في حال كانت الماكينة الإقتصادية قوية ونسبة التضخّم هي ما بين الـ 5 إلى 6%!

ما يطلبه بعض الجهابذة في لبنان هو خفض قيمة الليرة 100% أي خلق تضخّم 100% مع ماكينة إقتصادية ضعيفة وهذا الأمر سيؤدّي إلى ضرب الإقتصاد من خلال تضخّم مُفرط (hyperinflation ) ولن يستطيع لبنان النهوض من هذه الضربة أبدًا على مثال بعض الدول مثل الأرجنتين، يوغوسلافيا السابقة، بوليفيا، أوكرانيا، روسيا، بولندا، وغانا التي لم تستطع النهوض إقتصاديًا. على كل هذا الإقتراح يُعيد إلى الأذهان نوعية الإستشارات التي تُقدّم على صعيدة إدارة الدولة!

خفض العملة سيضرب المواطن بالدرجة الأولى

تبلغ موازنة الدولة اللبنانية ما يقارب الـ 27 ألف مليار ليرة لبنانية، قسم منها مموّل بالضرائب والقسم الأخر من الإستدانة. ومُعظم مداخيل الدوّلة اللبنانية من الضرائب والرسوم هي بالليرة اللبنانية في حين أن حاجة التمويل بالدولار الأميركي تبلغ 5 مليار دولار أميركي، تقوم الدوّلة بإستدانتها لإنفاقها على دعم مؤسسة كهرباء لبنان، دفع المحروقات لوسائل النقل في الوزارات والمؤسسات، دفع خدمة الدين العام بالدولار، دفع بدل الإستشارات والخدمات العالمية، دفع إجور البعثات الديبلوماسية في الخارج... وبالتالي فإن نتيجة الإنفاق هي 19500 مليار ليرة بالعملة اللبنانية و7550 مليار ليرة لبنانية بالعملة الأميركية. بالطبع يجهد مصرف لبنان سنويًا بإيجاد العمّلة الصعبة لتمويل حاجات الدوّلة من هذه العملة وفي ظل الظروف الحالية، أصبحت الكلفة عالية لتأمين العمّلة الصعبة.

الأن وبفرضية أننا قمّنا بخفض سعر صرف الليرة لتصبح 3000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي، فإن قيمة المداخيل الحقيقية ستصبح كالتالي: 9800 مليار ليرة لبنانية بالعملية اللبنانية و7500 مليار ليرة لبنانية بالدولار الأميركي.

في حين أن هيكلة الإنفاق ستكون على النحو التالي: 9800 مليار ليرة بالليرة اللبنانية و15000 مليار ليرة لبنانية بالدولار الأميركي أي ما مجموعه 24800 مليار ليرة لبنانية بدل 27000 مليار ليرة لتوفّر بذلك الدوّلة 2260 مليار ليرة لبنانية!

في مقابل هذا التوفير، قضت الحكومة اللبنانية على المواطن اللبناني الذي سيشتري البضائع بسعر مضاعف أقلّه نظرًا إلى أن مُعظم الإستهلاك هو مستوّرد وبالتالي لن يكون بإستطاعته القيام بأي شراء من الخارج أضف إلى ذلك أن المواطن الذي إقترض بالدولار الأميركي سيُفلس حتمًا. بمعنى أخر بدل وقف نزف الدوّلة من الفساد، والجمارك والكهرباء، يتحمّل المواطن عجز الدوّلة عن مكافحة الفساد والهدر!!!

ولمن يقول أن الصادرات ستزيد، نقول له أن الصادرات التي لا تزيد عن 2.9 مليار د.أ لن تزيد بأكثر من 5% في أحسن الأحوال. في حين أن كلفة الإستيراد (20 مليار د.أ) ستتضاعف!!!

إذا كان إنقاذ السلطة عبر تجويع المواطن فهذا أمر مرفوض لأن الإقتصاد اللبناني لن يتستطيع بأي شكل من الأشكال إستعادة عافيته حتى مع الثروة النفطية لأن لا وجود لماكينة إقتصادية تخلق الثروات وبالتأكيد لن يقبل أي مُستثمر الإستثمار في بلد التضخّم فيه يوازي 100%!

لذا بإعتقادنا أن كلّ من يُطالب بخفض قيمة الليرة اللبنانية، يُطالب بالقضاء على المواطن اللبناني.

على صعيد أخر، تُمعن بعض مكاتب الصيرفة بتداول الدولار الأميركي على أسعار تتخطّى الـ 1530 ليرة للدولار الواحد. وهذا الأمر هو مخالفة واضحة للقانون تنطبق عليها دقائق المادتين 319 و320 من قانون العقوبات. ونُناشد السلطات النقدية ملاحقة الصيارفة وزيادة الرقابة عليهم. أما من جهة المصارف، يبقى سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية ضمن الهامش المُحدد من قبل مصرف لبنان.

} ستاندارد آند بورز والتصنيف المُنتظر }

على صعيد أخر، ينتظر اللبنانيون خروج تقرير وكالة التصنيف الإئتماني ستاندارد آند بورز نهار الجمعة لمعرفة إذا ما كان تصنيف لبنان الإئتماني سيُخفّض من B- إلى CCC+. وعلى الرغم من أن معظم اللبنانيين لا يعرفون تداعيات هذا الخفض، إلا أن معرفة أن كلفة خدمة الدين العام سترتفع، كفيل بالقول «الله يستر»!

وكانت وسائل الإعلام قد تداولت البارحة خبرًا مفاده أن ستاندار آند بورز قد تؤجّل تقريرها أو قد تُحافظ على تصنيف لبنان الإئتماني. إلا أن هذا الخبر لم يتمّ تأكيده وقد عاشت أسواق سندات الخزينة تحت تأثير الإشاعات إذ إنخفضت الأسعار بـ 2% لتعود بعدها إلى الإرتفاع من جديد. إلا أن الخبر الجيّد في كل هذا هو أن عائدات هذه السندات إرتفعت إلى مستويات عالية بلغت الـ 19% أي أنها أعلى من الفوائد المصرفية وبالتالي فإن المُستثمرين عاودوا شرائها وهذا ما يُبرّر إرتفاعها.

إلا أن ما يتوجّب ذكره هو أن مهما كانت نتيجة التصنيف الإئتماني، فإن أسعار هذه السندات إستوعبت هذا التخفيض وبالتالي لن يكون تقرير وكالة ستاندارد آند بورز ذو مفعول كبير.

أمّا من ناحية المصارف، فإن إلزام حاكم مصرف لبنان، المصارف اللبنانية بعدم توزيع الإيرادات المُحقّقة في الهندسة المالية في العام 2016 وإدخالها في رأس المال، سمح لهذه المصارف بالحصول على نسبة كفاءة رأسمال (Capital Adequacy Ratio ) أعلى من المتطلبات العالمية أي 16% مقارنة بـ 8% مطلوبة في معايير بازل 3. لذا نتوقّع أن لا يكون هناك تأثير على المصارف اللبنانية.

إلا أنه وفي حالة الإستدانة المُستقبلية إن من قبل الدولة أو من قبل المصارف اللبنانية، ستكون الكلفة أعلى مما هي عليه حكمًا.

} جلسة مجلس الوزراء }

على صعيد أخر، يلتئم اليوم مجلس الوزراء في جلسة له في قصر بيت الدين، المقرّ الرئاسي الصيفي وعلى جدول أعماله بنود روتينية خجولة لا تُحاكي مستوى التحدّيات الإقتصادية. إذ أن الأسواق كانت تتوقّع أن يكون على جدول الأعمال ورقة بعبدا المالية والإقتصادية، مشاريع سيدر، خطّة ماكينزي، تصنيف لبنان الإئتماني والخطط الإحترازية... وفكرة طرح هذه الأمور من خارج جدول الأعمال لا تتماشى وطبيعة الملفات ومستوى التحدّيات كأن هناك «إرادة» لتحجيم دور مجلس الوزراء أو إبعاده عن كل ما قدّ يُشكّل مادة خلافية بين الأفرقاء.

على كل الأحوال، سيكون موضوع زيارة الرئيس الحريري إلى الولايات المُتحدة الأميركية على طاولة المجلس، خصوصًا أن المعلومات المتوافرة عن فحوى زيارته ضئيلة.