يعود موضوع مزارع شبعا ولبنانيتها أو عدمها الى الواجهة لدى الحديث عن استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البريّة بين لبنان والعدو الإسرائيلي (الأراضي الفلسطينية المحتلّة)، سيما وأنّه لم يتمّ تثبيت لبنانيتها حتى الآن لاعتبارات عدّة، أبرزها عدم تسليم سوريا الخرائط عن لبنانية المزارع الى الأمم المتحدة. فهل تملك سوريا هذه الخرائط لتقوم بعد ذلك بتقديمها الى المنظمة الدولية لتثبيت ملكيتها اللبنانية، ما يجعل «إسرائيل» مجبرة على الإنسحاب منها ومن الأراضي المتبقية التي تزال تحتلّها في جنوب لبنان وفقاً لمقتضيات القرار الدولي 1701؟

يقول السفير الدكتور بسّام عبد القادر النعماني المطّلع على قضية ترسيم الحدود كونه عمل في وزارة الخارجية والمغتربين على خرائط مزارع شبعا خلال عامي 2000 و2008، بأنّ سوريا قامت منذ فترة بـ«لملمة» الخرائط القديمة التي كانت تحتفظ بها والصادرة في الخمسينات والستينات من القرن الفائت، لأنّ العديد منها شابه الكثير من الأخطاء ما يضع الدولة في موقف محرج أو متناقض فيما يتعلّق بترسيم حدودها البريّة والبحرية. فضلاً عن سبب أمني استراتيجي آخر، وهو أنّها لا تريد أن تكون إحداثياتها وتفاصيلها الخرائطية متوافرة للأعداء في حال الحرب أو للذين ينوون القيام بأعمال إرهابية.

وكشف بأنّ هناك خرائط سورية تؤكّد لبنانية مزارع شبعا، وقد اكتشف إحداها بمحض الصدفة عندما كان طالباً في الجامعة الأميركية في أواسط السبعينات. وتُظهر الخريطة المذكورة أنّ مزارع شبعا لا تقع ضمن مديريات وأقضية الجولان السورية، بل وضعها ضمن أراضي الجمهورية اللبنانية. وشاءت الصدفة أن ينشر خبير الخرائط العدو الإسرائيلي آشير كوفمان كتاباً له عن منطقة المثلّث الحدودي الفاصل بين سوريا وفلسطين ولبنان في العام 2014، ضمّنها الكثير من المستندات والوثائق الفرنسية ومقارنة بين الخرائط الفرنسية والبريطانية والسورية واللبنانية، والتي أظهرت التباينات والاختلافات الكثيرة في رسم حدود المنطقة. وقد ضمّن كتابه هذا خريطة الجولان المذكورة لأهميتها، ولأنّها تُظهر أنّ مزارع شبعا لبنانية (مع أنّ موقفه النهائي هو الإحتفاظ بخطّ الحدود كما هو حالياً من دون تعديل لصالح لبنان)!

وأضاف السفير النعماني بأنّ الدكتور أديب سليمان باغ الأستاذ في جامعة دمشق، في المقابل، قد كتب أطروحة عن الجولان باللغة الفرنسية ونال على أثرها دكتوراه من جامعة السوربون في باريس في العام 1958، وقد نشرت جامعة دمشق الأطروحة في العام 1961، أي أيام الوحدة بين مصر وسوريا. وقد ضمّن اطروحته هذه معلومات عن طبيعة الجولان الجغرافية والجيويولوجية والتوزيع الإثني والطائفي والمذهبي والديموغرافي للسكّان، والثروات الطبيعية والعادات، وصوراً مختلفة، ورسوم بيانية، فضلاً عن 15 خريطة جيولوجية وطوبوغرافية لشتّى مناطق الجولان رُسمت بخطّ اليد، أظهرت اثنتان منها روافد ومنابع ومصادر المياه في الهضبة. أمّا الخريطة الإدارية لقضائي القنيطرة وفيق والتي تُظهر مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية فقد جاءت ضمن 5 خرائط «مناطقية - إدارية» مختلفة. وقد بيّنت بوضوح أنّ الخطّ الفاصل هو الخط نفسه الذي رسمه القاضيان الغزّاوي والخطيب بين مزارع شبعا ومشاع بلدة المُغر السورية في كانون الأول من العام 1946. وإذا ما تمّت مقارنة الخريطة المستحدثة التي رسمتها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني في العام 2006 للإتفاق المذكور، وبين الطرف الشمالي لخريطة الجولان التي نشرها الدكتور باغ في كتابه عام 1958، فإنّ الحدود الفاصلة للخريطة السورية تُظهر مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية. ولفت الى أنّ الخريطة مفصّلة الى حدّ كبير وتبيّن التوزيع السكاني والطائفي لمختلف مديريات قضائي القنيطرة وفيق، بما فيها النخيلة وبلدة الغجر، ولكنّه يستثني مزارع شبعا والتي يضعها في شمال خط الحدود وضمن الأراضي اللبنانية.

وتساءل من أين للدكتور باغ في كتابه عن الجولان أن يعرف عن اتفاق الغزّاوي- الخطيب؟ وكونه من مواطني الجولان وخبير بشجونها وجغرافيتها، فهل كان وضع مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية لو أنّه لم يطّلع على خريطة سورية تبيّن بوضوح أنّ المزارع هي داخل الأراضي اللبنانية؟! من هنا، يمكن التأكيد مرة أخرى على لبنانية مزارع شبعا وعلى حتمية وجود خرائط سورية تبيّن اتفاق العام 1946 مطبّقة على أرض الواقع. وقد قام وزير الدفاع الياس بو صعب أول أمس بإبراز خرائط حديثة رسمها الجيش اللبناني عبر صور للأقمار الصناعية أظهرت خطّ الحدود، كما جرى الإتفاق عليه بين القاضيين الغزّاوي والخطيب والتي تتطابق مع خريطة الدكتور باغ في العام 1958، ما يشير مرة جديدة الى لبنانية المزارع من دون أي التباس أو شكّ.