ربما نسي رجب طيب اردوغان، أو تناسى، ما قاله فلاديمير بوتين، منذ بدايات الأزمة السورية. «النظام العالمي الجديد ينبثق من سوريا»...

القيصر الذي أدرك ما الغاية من تقويض الدولة هناك لم يكن يقصد فقط أن نظرية الاستقطاب الأحادي، وفي ظل تحولات كبرى في مسار الكرة الأرضية، أكثر من أن تكون عبثية. أراد القول ان دمشق هي موسكو. اي حرب ضدها لا بد أن تفضي الى ما لا تحمد عقباه.

نظام معمر القذافي لم يكن مثالياً، ولا حتى واقعياً. ولكن هل أن الأميركيين الذين كرسوا ثقافة القرون الوسطى على امتداد المنطقة، يسعون الى تسويق الديمقراطية، ناهيك عن المفاهيم الفلسفية للحداثة؟

الروس صدموا بنتائج العملية العسكرية التي أودت بالنظام الليبي، وبعدما تبين أن الهدف تحويل هذا البلد، بثرواته الهائلة، الى شظايا استراتيجية. ليبيا دولة البعد الواحد. لا تنوع على المستوى الاتني ولا تنوع على المستوى الطائفي، وقد دخلت في المتاهة الكبرى. ماذا كان حصل في سوريا لو تناثرت الدولة؟

ربما كان الروس الذين خاضوا الحروب ضد سلاطين بني عثمان الأكثر ادراكاً بما يجول في الرأس التركي. تحديداً في رأس رجب طيب اردوغان الذي حاول الدمج بين جاذبية الايديولوجيا وجاذبية التاريخ. اذ اتخذ من المآذن حراباً، ومن القباب دروعاً، كما في قصيدته الشهيرة، لم يتوان لحظة عن التذكير بالماضي العثماني والسلجوقي.

الرئيس التركي الذي دعا الى اعادة النظر بمقررات مؤتمر لوزان (1923 )، لم يكن ليكتفي بـ«جناحي السلطنة» حلب والموصل. اذ اتخذ من «الاخوان المسلمين» النيوانكشارية، ذراعاً عسكرية ودينية، كان يحلم بدمشق وبغداد بعدما استولت الجماعة على السلطة في مصر. في هذه الحال، تغدو منطقة الخليج، تلقائياً، بين براثنه.

اردوغان لم يصل، على حصان أبيض، الى باحة الجامع الأموي، ولم تصدح الشيشكباب بدل القدود الحلبية. حلقات السيناريو راحت تتساقط تباعاً. ها هو الباب العالي الذي لم يتمكن من الدخول من الباب، يحاول الدخول من... ثقب الباب.

ضباطه، مع آخرين، خططوا لحصار دمشق، ومن ثم الانقضاض عليها. منذ البداية، استولت فصائل المعارضة على مدينة القصير لقطع الطريق بين دمشق واللاذقية، وبين دمشق وحمص، وعلى مدينة خان شيخون لقطع الطريق بين دمشق وحلب. أيضاً بين دمشق وحماه و... ادلب.

بعدما تم تفكيك، أو تحطيم، الشبكات اللوجيستية للمعارضة في المناطق الأخرى، واذ تبدوادلب أرض المواجهة الأخيرة، كان لا بد من الامساك بطريق دمشق ـ حلب. على نحو فضائحي، وبانورامي، رأينا كيف توجهت الآليات، والدبابات، التركية، نحو خان شيخون لمؤازرة «البرابرة»، وقد شهدنا الكثير من مآثرهم في السلسلة الشرقية.

هل فكر اردوغان بما يعمل، وهل نسي، حقاً، كلام الرئيس الروسي؟ وأي منطق في أن يراهن على ذلك الطراز من عشاق الأقبية ليزرع حصان طروادة العثماني داخل هيكلية السلطة في سوريا؟ القرار وقف الرتل بالقوة، ولو أدى ذلك الى المواجهة الكبرى.

واشنطن، ودفاعاً ليس بالمستهجن عن ورثة تنظيم «القاعدة»، اعتبرت العملية العسكرية السورية «تهوراً». أي اردوغان بعد صدمة خان شيخون؟!