مع عَودة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى لبنان، كثر الكلام عن ضُغوط أميركيّة كبيرة تعرّض لها، بالنسبة إلى ملفّ حزب الله. فهل هذا الأمر صحيح، وأين نجح الحريري وأين فشل، بحسب المعلومات المُتوفّرة، خاصة وأنّ الصراع الأميركي ـ الإيراني في المنطقة على أشدّه حاليًا؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة مُقرّبة من «تيّار المُستقبل»، إنّ رئيس الحُكومة عمل بجهد خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركيّة على تجنيب لبنان الوقع السلبي للسياسة الأميركيّة المُتشدّدة التي تعتمدها في الشرق الأوسط حاليًا، وذلك في إطار المُواجهة المَفتوحة بين الإدارة الأميركيّة من جهة، وإيران وكل القوى المُصنّفة في خانة «محور المُقاومة والمُمانعة» في المنطقة من جهة أخرى. وأشارت إلى أنّه نجح في بعض الجوانب، وفشل نسبيًا في جوانب أخرى! وأوضحت أنّ الحريري تمكّن مثلا من تجنيب القطاع المصرفي والمالي في لبنان أي إهتزاز، من خلال إثبات إلتزام المصرف المركزي، وكل المصارف والمؤسّسات المالية العاملة في لبنان، بالقوانين الدَوليّة الخاصة بمُراقبة التحويلات الماليّة، حيث تفرض المصارف والمؤسّسات المالية اللبنانيّة كافة، تحديد مصدر أي أموال، ووجهة إستعمالها، إضافة إلى معلومات مُفصّلة عن الزبون المعني أو عن الشركة المعنيّة. وأضافت أنّ أي مُتعامل في لبنان بالشؤون المالية، بات مُلزمًا بالتوقيع على إستمارة «سي تي أس» التي تُحدّد مصدر الأموال، وإستمارة «كاي واي سي» التني تتضمّن معلومات دقيقة عن الزبون، علمًا أنّ أي تحويل مالي رقمي لا يُمكن أن يتمّ إلا عبر نظام «سويفت» الخاص بالتحويلات المالية عبر الحُدود.

وأضافت الأوساط السياسيّة المُطلعة المُقرّبة من «تيّار المُستقبل»، أنّ الرئيس الحريري نجح أيضًا في إنتزاع مُوافقة أميركيّة مُسبقة على إستمرار دعم الجيش اللبناني، بالسلاح وبالتدريب، لتمكينه من حفظ الإستقرار الداخلي، ومن مُواجهة الشبكات الإرهابيّة، وكذلك من القيام بمهمّاته في ضبط الأمن على الحُدود على أكمل وجه، وذلك بالتزامن مع إنتزاع مُوافقة أميركيّة مُسبقة أخرى لا تقلّ أهميّة، وتتمثّل في التمديد مرّة جديدة لمهمّات قوات «الأمم المتحدة» العاملة في الجنوب لمدّة عام إضافي، علمًا أنّ مهمّة هذه القوّات تنتهي في 31 من شهر آب الحالي. وتابعت الأوساط نفسها أنّ رئيس الحكومة تمكّن من إقناع المسؤولين الأميركيّين، بضرورة عدم إدخال أي تعديلات لا على المهمّات الحاليّة لهذه القوات الدوليّة، ولا على ميزانيّتها، علمًا أنّ واشنطن كانت ترغب بشدّة في خفض حجم تمويلها لهذه القوات الدَوليّة من جهة، وفي توسيع مهمّات هذه الوحدات العسكريّة المُتعدّدة الجنسيّات، لتشمل صلاحيّات تفتيش ودهم مُفاجئة، وحتى صلاحيّات قتالية وهُجوميّة من جهة أخرى!

وكشفت الأوساط السياسيّة المُطلعة المُقرّبة من «تيّار المُستقبل»، إنّ الحريري لم ينجح في المُقابل، في إقناع الإدارة الأميركيّة بالعدول عن قرار إصدار لائحة جديدة من العُقوبات، يُنتظر أن تطال مسؤولين لبنانيّين رسميّين وحزبيّين، إضافة إلى شخصيّات مرموقة ورجال أعمال مَعروفين. ولفتت إلى أنّ مكتب مُراقبة الأصول الأجنبيّة في وزارة الخزانة الأميركيّة (معروف إختصارًا بإسم «أوفاك») ينتهج حاليًا سياسة في غاية التشدّد، إزاء حزب الله وكل من له علاقة مُباشرة معه، أو يقوم بتأمين الغطاء السياسي والمَعنوي له. وتابعت الأوساط أنّ الحريري أكّد للمسؤولين الأميركيّين أنّ هذه السياسة لا تُفيد، وهي لن تُسفر عن أيّ تغيير في سياسة الحزب الذي يملك قاعدة شعبيّة واسعة في لبنان، بل ستزيده إقتناعًا بصوابية خياراته، لكنّ الحريري لم يُوفّق في تغيير رأي المسؤولين الأميركيّين الذين إلتقاهم.

وختمت الأوساط نفسها بالتشديد على أنّ رئيس الحُكومة أكّد ضرورة تحييد لبنان، دولة وشعبًا، وما يتضمّنه من مؤسّسات عسكريّة وإقتصاديّة وماليّة وغيرها، عن أي سياسة أميركيّة مُتشدّدة تجاه إيران، لأنّ الحُكومة اللبنانيّة تعمل جاهدة على بقاء لبنان على حياد من الصراعات في الشرق الأوسط، وعلى تطبيق مُختلف القرارات الدَوليّة الخاصة بحفظ الأمن والإستقرار في المنطقة.