ترسم الحملات المتجدّدة على رئيس الحكومة سعد الحريري بعد لقاءاته في واشنطن أكثر من علامة استفهام حول طبيعة التفاهم الذي أرسته مصالحة بعبدا، وإن كانت أوساط سياسية قريبة من تيار «المستقبل»، ترى أنها لن تؤثر على المناخ السياسي وعلى التهدئة السائدة. وعلى الرغم من أن رسائل عدة قد حملتها هذه الحملات، وتشير إلى سلبية واضحة إزاء محادثات واشنطن من قبل أطراف سياسية شاركت في عملية المصالحة، فإن الأوساط نفسها، كشفت عن حملة تضليل وتشويه لواقع اللقاءات التي أجراها الحريري، خصوصاً وانها ركّزت على مسألة تحييد لبنان عن الإشتباك الأميركي ـ الإيراني من جهة، وعلى حماية اقتصاد لبنان من تردّدات العقوبات الأميركية على حزب الله من جهة أخرى، مع العلم أن هذه العقوبات ليست العامل الضاغط على القطاع المالي والإقتصادي، في ضوء الأزمات الناجمة عن تفاقم الدين والهدر بالدرجة الأولى.

وخلافاً لما جرى التداول فيه في بيروت عن توسيع مروحة العقوبات لتطال شخصيات غير حزبية، فقد شدّدت هذه الأوساط على أن استباق عودة الحريري وعرضه خلاصة لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ينذر بالتشويش السلبي على مناخ المصالحة السائد حالياً، وبالتالي، فإن التغريدات من خارج مسار المصالحة التي كرّر الرئيس عون التأكيد عليها بالأمس، ترخي ظلالاً قاتمة على المسار التصالحي الذي تحقّق، وعلى الإنطلاقة الحكومية المرتقبة يوم الخميس المقبل من بيت الدين.

من هنا، فإن التسريبات التي تستهدف حراك رئيس الحكومة، وكما كشفت الأوساط، أتت انطلاقاً من معلومات مغلوطة، وهي لا تتماهى مع الصورة الفعلية للمحادثات في واشنطن، والتي تضع مصلحة لبنان في الاعتبار قبل أي مصلحة أخرى، خصوصاً في ضوء ما ينتظرالساحة الداخلية من تحديات، وذلك بصرف النظر عن كل المقاربات الإنتقادية، والتي وبحسب الأوساط نفسها، لا تقدّم ولا تؤخّر في مسار المصالحة والعمل الجاري من أجل تكريسها تمهيداً للعمل الانقاذي المرتقب في سياق حال الإستنفار المعلنة.

لكن هذا لا يعني أن الأمور ستسير بشكل سريع وهادىء على طاولة مجلس الوزراء، إذ لفتت الأوساط، إلى أن المعالجات ستكون وفق معادلة «التعاطي بالقطعة»، مما يعني أن حالة الطوارىء لن تنسحب على كل الملفات، بل على كل ملف بشكل منفرد ومن خلال توافق حوله، ذلك أن الأولوية هي للتضامن والتعاون من أجل فتح الباب أمام الحكومة للدخول في مرحلة جديدة، بعيداً عن أي صدامات أو خلافات داخلية، أو حتى تصفية حسابات سياسية قد يلجأ إليها البعض على خلفية جدول الأعمال «الثقيل» الذي ينتظر رئيس الحكومة.

ولذا، فإن الغيوم التي تكوّنت في عطلة الأسبوع الماضي وتضمنت هواجس وتساؤلات لدى البعض، لن تؤثر على مناخ التهدئة، وإن كان السجال حول زيارة واشنطن يستحضر مناخات قديمة يسعى غالبية الأطراف السياسية الى طي صفحتها، خصوصاً وأن أي رهانات على سيناريوهات جديدة في لبنان قد سقطت، ومن المتوقّع أن تسقط اليوم كما في السابق. ورأت الأوساط نفسها، أن الإصرار لدى الرئاستين الأولى والثانية على تنفيذ خطوات سياسية واقتصادية، تنقل الوضع الداخلي من منطقة الخطر إلى برّ الأمان، يتلاقى مع المهمة التي قام بها رئيس الحكومة، والتي أنتجت التزاماً بتأمين الإستقرار، وإن كانت لم تحمل أي مستجدات على صعيد التشدّد الأميركي في العقوبات على الحزب، بسبب التمسّك الأميركي بعدم التراجع عن الخطوات المتخذة، ولو أن ما من خطوات جديدة مرتقبة على هذا الصعيد.