مع عودة رئيس الحكومة سعد الحريري من زيارته الطويلة الى العاصمة الأميركية واشنطن، يفترض أن تنطلق جلسات مجلس الوزراء باندفاعة قوية، للتعويض على الأسابيع العجاف الناجمة عن أزمة حادثة قبرشمون، ووضع مصالحة بعبدا موضع التنفيذ، عبر إنجازات مطلوبة من الحكومة وبشكل عاجل، بدءاً من التعيينات الإدارية والقضائية، وليس انتهاءً بإصدار المراسيم الملحّة التي ينتظرها مؤتمر «سيدر» لتدخل مشاريعه حيّز التنفيذ بأسرع ما يمكن.

لكن قبل ترتيب الملفات الداخلية وفق الأولويات، ثمّة ترقب لما يحمله الحريري في جعبته من واشنطن، علماً أن الأجواء الإيجابية سبقت وصوله الى بيروت، إذ تفيد المعلومات، بأن رئيس الحكومة «نجح في انتزاع موافقة أميركية بتخفيف وطأة العقوبات على لبنان، وتحييد المؤسسات المالية لا سيما المصارف عنها، وتجنيب أعضاء في الحكومة تبعات هذه العقوبات، أو تأجيلها بالحدّ الأدنى». وأفادت مصادر مواكبة لزيارة الحريري ولقاءاته بالمسؤولين الأميركيين، أنه «تمكن من اقناع المسؤولين في واشنطن، لا سيما وزير الخارجية مايك بومبيو بأن توسيع مروحة العقوبات أبعد من حزب الله ستلحق ضرراً فادحاً بلبنان، وتعيد خلط الأوراق، وستؤدي حتماً إلى هزّ الاستقرار السياسي وربما الأمني، وتعيد الانقسام العمودي بين المكونات اللبنانية، من دون أن تحقق أهدافها».

وعشية انتهاء لقاءاته الرسمية في العاصمة الأميركية، وغداء الصداقة الذي جمعه مع بومبيو في مزرعته قرب واشنطن، تبلّغ الحريري وفق المصادر المواكبة للزيارة أنه سمع «كلاماً مطمئناً ومتفهماً لوجهة نظره، مفاده أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، ورغم تشددها حيال «حزب الله» وأدواره في الداخل اللبناني والخارج، فإنها معنية بتجنيب لبنان الآثار السلبية للعقوبات، وعدم دفع هذا البلد الى توترات سياسية قد تقود الى اهتزاز أمني، وعلى قاعدة أن استقرار لبنان جزء أساسي من استقرار المنطقة، كما تبلّغ أن وزارة الدفاع الأميركية ــ البنتاغون، ماضية في إجراءات دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية». وأكدت المصادر أن «الإدارة الأميركية عازمة على استئناف وساطتها بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البرية والبحرية، وهي بصدد ارسال موفدها الى بيروت مطلع شهر أيلول المقبل، وهذا خير دليل على أن الحريري استطاع تفكيك صواعق العقوبات على شخصيات سياسية وازنة بينهم وزراء في حكومته».

وقبيل عودته الى لبنان، شاعت أجواء إيجابية لدى القيادات السياسية، التي عبرت عن ارتياحها لنتائج زيارة رئيس الحكومة، وقدرته على تخفيف الضغط على لبنان سياسياً واقتصادياً، وهذا الانطباع عبّرت عنه مصادر مقرّبة من حزب الله، رأت أن الحريري «تصرّف في واشنطن بمسؤولية عالية انطلاقاً من موقعه كرئيس حكومة كلّ لبنان». وأكدت أن أجواء الحزب «مرتاحة للجهود التي بذلها لدرء الأخطار السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية عن البلاد، بمعزل عن الاختلاف معه في مقاربة ملفات داخلية كثيرة». واعتبرت المصادر أن الحزب وحلفاءه «سيلاقون رئيس الحكومة بنفس الإيجابية، وسيتعاونون معه في كلّ الملفات التي تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً، لا سيما ما يتعلّق منها بإطلاق مشاريع «سيدر» وإنقاذ الوضع الاقتصادي، وترجمة مضمون اللقاء الاقتصادي الذي عقد في قصر بعبدا عشية عيد الأضحى برئاسة الرئيس ميشال عون، ووضع الأطر التنظيمية لخطة طوارئ اقتصادية عاجلة».

ورغم الإيجابيات التي حصدتها زيارة الحريري الى الولايات المتحدة، والوعود التي تلقاها بدعم لبنان اقتصادياً لتجنّب الانهيار، لم يتضح بعد مدى تأثير زيارة الحريري على تصنيف لبنان خلال الساعات المقبلة، وسط ترقّب بتخفيض مستوى التصنيف الائتماني ومخاوف من انعكاساته السلبية على اقتصاد لبنان، ولم تعرف ما إذا كان رئيس الحكومة تمكن من اقناع الأميركيين بلعب دور في هذا الاطار، غير أن خبراء الاقتصاد غير متفائلين بنجاح لبنان تجنّب تخفيض تصنيفه، لكنهم رأوا أن ذلك ورغم سلبياته ليس نهاية المطاف، وأن «البلاد قادرة على تغيير وجهة نظر مؤسسات التصنيف الدولية، في حال بدأ لبنان فعلياً تطبيق الخطة الإصلاحية، لا سيما معالجة أزمة الكهرباء بشكل نهائي». وطمأنوا الى أن «لبنان ليس متروكاً لقدره، وهناك رغبة عربية ودولية بإنقاذه، لكن شرط توفر الاستقرار السياسي، وعدم استثمار بعض الأحداث في صراعات تقود الى شلّ مؤسسات الدولة وتعطيلها».

وأمام هذه التطورات، يقف لبنان بين مسارين، الأول مكلل بانفراجات سياسية داخلية وخارجية، تتطلّب أقصى درجات التعاون بين مكونات السلطة للاستفادة منها، والثاني محفوف بمخاطر التصنيف السلبي، الذي يحتاج الى جهود كبيرة لتدارك انعكاساته على الاستقرار المالي والنقدي، أقلّه في الفترة الفاصلة عن انطلاقة مشاريع «سيدر» التي يفترض أن تنطلق وتبدأ معها ورشة النهوض بكلّ القطاعات.