طالب رئيس مجلس النواب نبيه برّي بإعلان حالة الطوارئ الاقتصادية، وقال في تصريح له ان الأولوية القصوى في هذه المرحلة تمرير «القطوع» الاقتصادي الصعب، وان الاجتماع الاقتصادي الذي عُقد في بعبدا في حضور الرؤساء الثلاثة رسم خريطة الطريق في اتجاه المعالجة وطالب الحكومة ان تبدأ في ترجمتها في القريب العاجل.

تُستخدم عبارة «إعلان حالة طوارئ» في الشؤون التي تتعلّق عادة بأمور أمنية، بيئية، وصحية (إنتشار أمراض). وينتج من إعلان حالة طوارئ هذه عدد من الخطوات للحدّ من تردّي الوضع واستيعاب الخسائر. إلا أنه على الصعيد الاقتصادي، ليس بالمُعتاد أن تُستخدم هذه العبارة بهذه الطريقة حتى ولو أن بعض الدول مثل فرنسا قامت باتخاذ اجراءات اقتصادية «طارئة» وذلك خلال ثورة السترات الصفر. إذًا ماذا يقصد الرئيس برّي بقوله إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية؟

يستخدم السياسيون في لبنان مُصطلح «الاقتصاد» لشمل النشاط الاقتصادي، والمالي في آن واحد. ويتميّز النشاط الاقتصادي بأنه المصدر الأساسي لمالية الدولة التي تُحصّل إيراداتها من خلال الضرائب على هذا النشاط. في لبنان النشاط الاقتصادي في حال شبه ركود وبالتالي فإن مداخيل الدولة تبقى على المستوى نفسه في ظل فرضية عدم فرض ضرائب جديدة. ومع زيادة الإنفاق، أصبح العجز (الفارق بين الإيرادات والنفقات) هيكلياً أي أن مستوى الإنفاق العام أصبح أعلى بكثير من الإيرادات وبشكل مُزمن! من هذا المُنطلق أصبحت المخاطر تحيق بالمالية العامّة بالدرجة الأولى التي تواجه مخاطر خفض التصنيف الائتماني والذي سيزيد حكمًا الكلفة على خزينة الدولة إبتداءا من العام المُقبل حيث سنلحظ ارتفاعا بخدمة الدين العام.

حالة الطوارئ التي يدعو إلى إعلانها رئيس مجلس النواب هي قبل كل شيء حالة طوارئ مالية! وما تذكيره بأن الاجتماع الاقتصادي الذي عُقد في بعبدا في حضور الرؤساء الثلاثة رسم خريطة الطريق ويجب ترجمته في القريب العاجل إلا تأكيد على هذا الأمر، خصوصًا أن الورقة التي صدرت عن هذا الاجتماع تصبّ مُعظمها مباشرة في خانة المالية العامّة.

إعلان حالة الطوارئ يفرض اجتماعات مفتوحة لأصحاب القرار، أي الحكومة اللبنانية. من هنا يُتوقّع أن يزيد ضغط رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي على رئيس الحكومة سعد الحريري لعقد جلسات مُكثّفة للحكومة بوتيرة لا تقلّ عن مرتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع. وما تصريح رئيس الجمهورية ميشال عون بضرورة تطبيق مقرّرات ورقة بعبدا المالية، وطلب رئيس مجلس النواب نبيه برّي إعلان حالة طوارئ اقتصادية إلا دليل على الضغط الذي بدأا يضعانه على الرئيس الحريري في هذا الاتجاه. الجدير ذكره أن اجتماعات لجنة المال والموازنة التي عُقدت بوتيرة مرتين في الأسبوع شكّلت سابقة ومرجعاً في الوقت نفسه لمواجهة حالة طارئة، فهل تعقد الحكومة اجتماعات على هذه الوتيرة؟

رئيس الحكومة سعد الحريري سيكون تحت الأنظار في المرحلة المُقبلة خصوصا أن عدم دعوته إلى اجتماع لمجلس الوزراء خلال أربعين يوما، برّرها بعدم تفجير الحكومة على خلفية أحداث قبرشمون الأليمة. لكن الآن ومع المصالحة التي تمّت أقلّه نظريا، سيكون من الممكن تخصيص جلسات بالكامل للشقّ الاقتصادي على أن يتمّ تغييب الملفات السياسية من جدول الأعمال (مثل ملف التعيينات).

ضرورة تكثيف اجتماعات الحكومة مُبرّر بحجم التحديات التي تواجه الحكومة:

أولا - ماليا: ضرورة الالتزام بعجز موازنة العام 2019 أصبح أمر أكثر من ضروري لما لهذا الأمر من تداعيات مالية لم يعد مصرف لبنان ولا المصارف اللبنانية قادرة على تمويلها ليس لعدم وجود المال، بل لأن المعايير الدولية تفرض على القطاع المصرفي احترام نسبة كفاءة رأسمال عالية. وتعرّض القطاع لسندات الخزينة أصبح مُرتفعا مما يعني أن على هذا القطاع زيادة رأسماله بشكل كبير مع كلفة مُرتفعة جدا. هذا الأمر أصبح غير سهل بسبب تصنيف لبنان الائتماني الذي هو نتاج عجز الموازنة. من هنا نرى أن مُعالجة الشق المالي هو الأساس وكل مقرارات ورقة بعبدا تصبّ في هذا الاتجاه.

ثانيا - اقتصاديا: مع ضعف الاستثمارات لم يعد حجم الاقتصاد على المستوى المطلوب للإنفاق الذي تقوم به الدولة اللبنانية. من هنا ضرورة تكبير حجم الاقتصاد لكي، وبمستوى الضرائب نفسه، تزيد مداخيل الخزينة العامّة. أضف إلى ذلك أن أهمية مشاريع سيدر تصب في هذا الاتجاه وسيكون لها مفاعيل عديدة مثل زيادة فرص العمل، تحفيز الاقتصاد، إرساء ثقة في هذا الاقتصاد، دعم الليرة اللبنانية، دعم ميزان المدفوعات... وغيرها من الأمور الحيوية.

ثالثًا - بيئيًا: لم يعد من الممكن أو المقبول أن تستمر أزمة النفايات على هذا الشكل مع ما لهذا الأمر من تداعيات سلبية على المالية العامّة (خسائر)، الصحة (أمراض)، الاقتصاد (ضرب القطاع السياحي).. وهنا يتوجّب على الحكومة إيجاد حلّ لهذه المُشكلة التي تدوم منذ أكثر من عقدين مع مافيات تتحكّم بمفاصل هذا القطاع وتمنع أي حلّ علمي.

رابعا - اجتماعيا: عوّدتنا الحكومات السابقة أن المواطن هو في أسفل سلّم أولوياتها. من هنا نرى إهمال شبه كامل للفقر الذي يضرب لبنان وغياب عدالة في توزيع الثروات التي يخلقها النشاط الاقتصادي. وفي ظلّ أزمة مالية تضرب المالية العامّة، تتجه رغبات البعض إلى سحب المكتسبات من المواطن وهذا أمر يؤدّي إلى ضرب الماكينة الاقتصادية من ناحية أن كل ليرة لبنانية يتمّ سحبها من المواطن تمّ سحبها من الماكينة الاقتصادية بشكل مضاعف (مرتين أو أكثر...). وهذا يعني أن هذه الإجراءات التي من المفروض أن تُخفف من إنفاق الدولة، تضرب الاقتصاد من باب الاستهلاك وتُقلّل من مداخيل الدولة.

إن ما قاله فخامة رئيس الجمهورية «عدم تطبيق قرارات ورقة بعبدا المالية يعني أن لا حكم في لبنان»، ما هو إلا التعبير الدقيق والصحيح لحالة لبنان في ظل فرضية تعطيل الحكومة من جديد. من هذا المُنطلق، نعتقد أن الألغام السياسية تمّ رفعها من طريق الحكومة، وكل ما عليها فعله هو تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه في ورقة بعبدا الاقتصادية المالية.