يراهن الكثيرون على التدابير التي سيتخذها الرئيس أردوغان لمواجهة الهجمات اللاحقة التي سيشنها أعداؤه طالما أنه يملك كل أدوات السلطة باستثناء أصوات الناخبين، وأثبتت الاستطلاعات أن غالبيتهم قد سئموا من سياسات أردوغان الداخلية والخارجية.


أحيا حزب العدالة والتنمية الأسبوع الماضي الذكرى الـ18 لتأسيسه ولكن دون أي احتفال رسمي أو شعبي. وفسرت الأوساط السياسية ذلك بالمعنويات المنحطة لدى قيادات وكوادر الحزب بعد استطلاعات الرأي التي قدرت شعبية الأحزاب التي سيشكلها قريبا رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان بـ 4-5 بالمئة للأول و 8-9 بالمئة للثاني. فإذا صحت هذه التوقعات سوف تعني بداية النهاية الحتمية لحزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان الذي يحكم تركيا منذ 17 عاما. ويفسر ذلك أيضاً الفيديو الذي وزعه الحزب ويحكي تاريخ نضاله ولم يظهر فيه الرئيس السابق عبد الله غول وعلي باباجان وهما من أهم مؤسسي الحزب حتى قبل أردوغان الذي كان ممنوعاً عليه ممارسة العمل السياسي عام 2001. وتجاهل الفيديو أيضاً رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو وأتهمهم أردوغان بـ"الخيانة والتآمر عليه" وقال "إنهم سيدفعون ثمن ذلك غاليا". وجاء الرد من أوساط المعارضة التي قالت "على أردوغان أن يتذكر كيف تآمر هو على زعيمه نجم الدين أربكان وطعنه من الخلف عندما أنشق مع رفاقه عام 2000 عن حزب الفضيلة الإسلامي وأسسوا العدالة والتنمية. وفاز الحزب في أنتخابات نوفمبر 2002 بعد أن حصل على 34 بالمئة من مجموع أصوات الناخبين ليسيطر على 66 بالمئة من مقاعد البرلمان بسبب قانون الانتخابات. ونسي أردوغان والقول هذه المرة لمقربين من باباجان كيف أن غول الذي أصبح رئيساً للوزراء نجح في إقناع حزب الشعب الجمهوري من أجل التعديل الدستوري الذي ألغى الحظر المفروض على أردوغان ليصبح رئيساً للوزراء في 9 آذار/ مارس 2003 ويحكم البلاد منذ ذلك التاريخ بمفرده دون أي معارضة من غول أو أي من مؤسسي الحزب الذين تخلص أردوغان منهم جميعا.

وقام أردوغان في نيسان/ إبريل ٢٠١٧ بتغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي ليصبح الحاكم المطلق للبلاد بعد أن سيطر بالكامل على جميع أجهزة ومرافق الدولة وأهمها الجيش والمخابرات والأمن والمال والقضاء. وكان ذلك كافياً للقضاء على الديمقراطية ووضع المئات من الصحافيين والسياسيين والأكاديميين والمحامين والأطباء والمثقفين في السجون وبغياب رد الفعل الأوروبي على كل ذلك.

ولم يخفي غول ومن بعده داود أوغلو قلقهما من هذا الأسلوب ليعكسا بذلك موقف الشارع الشعبي الذي قال رأيه في الانتخابات البلدية نهاية أذار/ مارس و23 يونيو. فقد فازت المعارضة في 31 ولاية مهمة ومنها أسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا وتمثل جميعاً 60 بالمئة من سكان تركيا و 70 بالمئة من اقتصادها و 80 بالمئة من ثقافتها و 90 بالمئة من سياحتها.

وكانت هذه النتائج بهذه المعطيات سبباً كافياً للحديث مبكراً عن مستقبل الحزب وسيقرر مصيره مؤسسوه الأوائل وفي مقدمتهم جول ورفاقه وحملوا أردوغان مسؤولية جميع مشاكل تركيا الداخلية والخارجية.

ومع ذلك يراهن الكثيرون على التدابير التي سيتخذها الرئيس أردوغان لمواجهة الهجمات اللاحقة التي سيشنها أعداؤه طالما أنه يملك كل أدوات السلطة بأستثناء أصوات الناخبين وأثبتت الاستطلاعات أن غالبيتهم قد سئموا من سياسات أردوغان الداخلية والخارجية. فقد خلقت هذه السياسات مشاكل اقتصادية ومالية خطيرة فيما كان النهج العقائدي "الإخواني" في سياسات أردوغان في سوريا والربيع العربي عموما كافياً لتوريط تركيا في مشاكل عويصة حتى في ليبيا. وتضع الأوساط السياسية هنا العديد من السيناريوهات لمستقبل الحزب وتركيا وهي جميعا لها علاقة بنجاح أو فشل أردوغان في السياسة الخارجية خاصة في سوريا وانعكاسات ذلك على العلاقة الاستراتيجية مع الحليف الأكبر أميركا منذ 70 عاما.

وقد يفسر هذا الاحتمال "الغرام" الأميركي - التركي المفاجئ في شرق الفرات على الرغم من الدعم الأمريكي المطلق لأكراد سوريا أعداء أردوغان الذي بات واضحاً أنه يستعد لقمته الثلاثية مع بوتين وروحاني في 11 الشهر القادم. وسيضع اتفاقه أو خلافه معهما أردوغان أمام أهم وربما آخر تحدياته التي ستحمل في طياتها نهايته الحتمية أو بداية جديدة طالما أنه مستعد للتضحية بكل شيئ للبقاء في السلطة والتخلص من رفاق الأمس أعداء اليوم وشعورهم متبادل مع أردوغان وهو الآن في وضع لايحسد عليه أبداً وخلاصه يحتاج لأكثر من معجزة!

المصدر : الميادين نت