مركز الدراسات الاستراتيجي

1 - تيار المستقبل - سعد الحريري

التسوية الرئاسية التي أوصلت الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا وأعادت الرئيس سعد الحريري الى السراي الحكومي، شكلت نقطة التحول الكبير في المسار السياسي للحريري الذي كان يقف في العام 2016 عند مفترق طرق حاسم وأثبت قدرته على إتخاذ قرارات وخيارات صعبة ومكلفة.

فلأول مرة يدير الحريري ظهره لحليفيه بري وجنبلاط، ويذهب مع عون وعبره مع حزب الله الى ما هو أبعد وأكثر من مساكنة حكومية وسياسية... الى تفاهمات مرحلية وترتيبات جديدة في الحكم ضمن إطار محور ثلاثي جديد صار متحكما بإدارة الوضع والقرارات...

في مسيرته الجديدة، مر الحريري بتجربة وامتحان، التجربة غير المسبوقة هي التي واجهها في المملكة السعودية خريف العام 2017 وحفرت في نفسه عميقا وتركت اثرا بليغا وبدّلت نظرته الى اشخاص وتحالفات... والامتحان الأصعب هو الذي خاضه في الانتخابات النيابية ربيع العام 2018، وشكل اختبارا لشعبيته التي كانت في حال تراجع ولتياره الذي كان في حال تفكك.

خرج الحريري من التجربة القاسية بالتفاف الطائفة السنية حوله والتعاطف معه. وخرج من امتحان الانتخابات بنجاح. تقلصت كتلته عددا نتيجة قانون النسبية، وبسبب الاختراق الذي حصل في التمثيل السني النيابي من جانب حلفاء حزب الله ودمشق.

لكن الحريري أثبت أنه ما زال الأول على الساحة السنية وأظهر قوة ذاتية وبات ينظر إليه على أنه زعيم مستحق بقوته وحيثيته الشعبية والسياسية، وليس فقط لأنه ابن رفيق الحريري... وهذا ما أتاح له التحرر من أعباء وأثقال وأوضاع خاصة في تيار المستقبل وفي فريقه الاستشاري والمساعد، وفي الحكومة الثانية، فتم استبعاد وجوه ورموز بارزة سطع نجمها ودورها في مرحلة ما بعد العام 2005، وتم استقدام وجوه جديدة وفق معايير محددة أولها الولاء الكامل له. وهكذا أنجز الحريري عملية إعادة ترتيب البيت الداخلي وباتت له السيطرة الكاملة والمحكمة والقدرة على اتخاذ القرارات ورسم السياسات والتوجهات بطريقة أكثر استقلالية وجرأة وأقل مسايرة ومراعاة حتى مع الحلفاء، معتبرا أن هذه فرصته الأخيرة: فإما أن ينجح ويثبت أقدامه في الحكم والدولة، وإما أن يفشل ويخرج من رئاسة الحكومة لمرة أخيرة.

بعد الانتهاء من إعادة تركيز أوضاع تيار المستقبل الذي خرج من مرحلة «عبور الصحراء» بأقل الخسائر الممكنة، انخرط الحريري في عملية تنظيم وتوحيد الطائفة السنية بتشجيع ورعاية من السعودية ومصر، والتي انطلقت بعد الانتخابات النيابية التي كشفت من جهة عن حالة وهن وتراجع عند تيار المستقبل، ومن جهة ثانية عن اختراق أحرزه حزب الله داخل الطائفة السنية مع وصول سبعة نواب سنّة موالين له الى البرلمان انتظموا ضمن «اللقاء التشاوري» وتمثلوا بوزير في الحكومة.

أقر الحريري قسرا بالاختراق الحاصل لمصلحة حزب الله، وأقر طوعا بالواقع السياسي الجديد داخل الطائفة السنية وأنه لم يعد لوحده من يمسك بزمام الأمور والقرار وإنما تشاركه قيادات وقوى أولها الرئيس نجيب ميقاتي الذي فرض نفسه في المعادلة ممثلا لطرابلس عاصمة الشمال ومركز الثقل السني في لبنان، وعرف كيف يخط لنفسه خطا سياسيا وسطيا مستقلا بعيدا عن اصطفافات 8 و14 آذار وداعما لرئيس الحكومة ودورها وصلاحياتها، ولـ «اتفاق الطائف» الذي أصبح دستورا.

وبعدما اعترف به الحريري كمرجعية طرابلسية وقال عنه إنه خير من يمثل طرابلس، اعترف به كمرجعية سياسية ودعاه الى اجتماعات بيت الوسط لرؤساء الحكومات السابقين...

وفي الواقع، صار لقاء رؤساء الحكومات السابقين مصدر دعم أساسي للحريري في معركة التأكيد على الصلاحيات والمكتسبات، وكل مرة تعرّض فيها الى ضغوط ومضايقات.

نجح الحريري في الاستحصال على دعم دولي تقوده فرنسا وترجم من خلال «مؤتمر سيدر»... ولكنه لم ينجح حتى الآن في إقناع المجتمع الدولي بأن لديه حكومة منسجمة ومنتجة، وقادرة على الإيفاء بالتعهدات وتطبيق الإصلاحات ومكافحة الفساد وتنفيذ برنامج «سيدر». لقد فقدت الحكومة زخم الانطلاقة واستنفدت طاقتها وتآكلت مصداقيتها والثقة بها سريعا. وبدا أن الحريري غير مسيطر تماما على مجريات الأمور ومسار الحكومة، وأنه في وضع سياسي وشخصي لا يُحسد عليه من جراء تراكم الضغوط والمتاعب:

علاقة الحريري مع السعودية لم تعد الى وضعها الطبيعي ومستواها السابق (الذي كان أيام الملك عبدالله بن عبد العزيز) رغم كل المظاهر الخادعة.

الضائقة والمشاكل المالية ما زالت تؤرق الحريري وتعيق تقدمه وتوسعه.

في معادلة الحكم، بدا الحريري «الحلقة الأضعف» بين ثلاثة أقوياء عون وبري وحزب الله.

حالة تململ واعتراض داخل الطائفة السنيّة تضغط على الحريري وتشكل مصدر ازعاج وقلق لديه. هناك من هو رافض للتسوية جملة وتفصيلا مع عون وحزب الله. هناك من هو خائف على دور وصلاحيات رئاسة الحكومة بعدما اصبح قصر بعبدا مركز القرار ومكان انعقاد «الجلسات الدسمة» لمجلس الوزراء. وهناك من لا يطيق تدخل وتطاول الوزير جبران باسيل وما يظهره الحريري حياله من تهاون وتساهل.

الحلفاء القدامى (14 آذار سابقاً) مستاؤون من الحريري وتحالفه مع باسيل، ومن ثنائية في الحكم لا تقيم وزنا لمصالحهم ومن تسوية لا تلحظ دورا لمكوّنات أساسية وشريكة.

الحلفاء الجدد (8 آذار سابقاً) ما عادوا مهتمين كثيرا بمراعاة وتفهم أوضاع الحريري وظروفه، وصاروا اقل مسايرة له واكثر حذرا منه.

ما زال الحريري يمثل الخيار الأفضل والانسب لرئاسة الحكومة ولا بديل عنه في هذه المرحلة. فهو زعيم السنّة والأحق بتمثيلهم والشريك القوي في الحكم. وهو صاحب العلاقات الدولية العربية الواسعة، وله دور و«فضل» في استقدام المساعدات والأموال وانعقاد مؤتمرات الدعم للبنان...

وتزداد الحاجة أكثر إليه في الزمن الاقتصادي والمالي الرديء، وحيث بات الاقتصاد متقدما على السياسة والعامل المؤثر في صناعة القرارات والخيارات، وفي كبح جموح المتصارعين على السلطة.

ولكن من الواضح أن تغييرا قد طرأ على علاقة الحريري مع كل من حزب الله والرئيس ميشال عون، وأن هذه العلاقة فقدت شيئا من الحرارة والانسجام في وقت لم تعد التسوية على حالها من التماسك والقوة. فالحريري وإن ظل ملتزما بسقف التسوية الرئاسية، إلا أنه أدخل تعديلا على تموضعه ومساره. والتسوية وإن ظلت قائمة، إلا أن الخلافات طغت على التفاهمات...

إذا كان الحريري أعطى أولوية في العامين الماضيين لعلاقة التحالف والشراكة مع عون، معتبرا أنها الضمانة لاستقرار الحكومة وإنتاجيتها ولاستمراره هو في الحكم، فإن أولوياته تغيرت وأصبحت أولا لزعامته السنيّة وثانيا لعلاقته مع السعودية.

وبعدما كان الحريري يعتبر أن تحالفه مع عون هو الذي يؤمن له الحماية والتوازن السياسي في وجه حزب الله، فإنه يعتبر الآن أن هذا التوازن يتأتى أولا من قوته وزعامته السنيّة، وأنه يحتاج الى جعجع وجنبلاط لتأمين التوازن في الحكومة وفي المرحلة المقبلة، وهو يعرف في قرارة نفسه أنه أمام خيارين إما الرضوخ لمطالب رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل حفاظا على موقعه ودوره القيادي ولو بنفوذ أقل من السابق، وإما العودة الى تحالفات سابقة كانت تجمعه مع جعجع وجنبلاط ولو بشكل غير مباشر، والدخول بالتالي في عملية شد حبال طويلة الأمد...

وإذا كان الرئيس سعد الحريري مستمرا بقوة التسوية، فإن مفاعيل هذه التسوية تتآكل، وعمليا صارت تنتمي الى مرحلة سابقة. وعلى الحريري أن يستعد لمواجهة استحقاقات مقبلة تبدأ من المحكمة الدولية وتمتد حتى الانتخابات النيابية والاستحقاق الرئاسي المقبل. وعلى الحريري أن يدرس خياراته الرئاسية من الآن ويستعد لـ «تسوية جديدة». فقد انطلقت معركة رئاسة الجمهورية وهو طرف وناخب أساسي فيها.

2 - الحزب الاشتراكي - وليد جنبلاط

لم يعرف رئيس الحزب الاشتراكي والزعيم الدرزي وليد جنبلاط في تاريخه السياسي على امتداد 40 عاما وضعا صعبا ومأزوما كالذي يعيشه هذه المرحلة، حتى غدت معركته داخل طائفته، بعد «قتال تراجعي» خاضه في السنوات العشر الأخيرة بدءا من أحداث 7 أيار التي طرقت أبواب الجبل وأنتجت اتفاق الدوحة، وبعده كان خروج جنبلاط من تحالف 14 آذار وسحب العصب السياسي منه... مرورا بانفجار الحرب في سوريا التي لم تصح فيها حسابات ورهانات جنبلاط المنتظر على «ضفة النهر».. وصولا الى التسوية الرئاسية عام 2016 التي مشى بها جنبلاط على مضض متكيفا مع واقع جديد أفقده الكثير من امتيازاته وقلص من هامش تأثيره ونفوذه.

شارك جنبلاط في انتخاب الرئيس ميشال عون وفي التسوية، ولكنه لم يصبح شريكا أساسيا فيها ولم يقطف ثمارها.

يشعر منذ سنتين أنه يتعرض لعملية حصار منهجي، وأن هامش المناورة لديه يضيق والخناق السياسي حول عنقه يشتد. بدأ هذا الشعور يراوده في خلال معركة قانون الانتخاب الجديد الذي لم يستطع مجابهته وكان السبب في اختراق منطقته وتقليص كتلته النيابية التي وصلت الى أدنى مستوياتها (9 نواب) منذ الطائف، بعدما كانت وصلت الى نقطة الذروة مع 18 نائبا.. بعد ذلك حصل تراجع في موقعه الحكومي بعدما اضطر للتخلي عن الوزير الدرزي الثالث، وفوجئ بوزارتين سياسيتين تعنيانه مباشرة تؤولان الى خصومه التيار الوطني الحر (وزارة المهجرين) وطلال ارسلان (شؤون النازحين)، بموافقة وتواطؤ من حليفه الرئيس سعد الحريري...

لم يكد جنبلاط يستوعب الصدمة الحكومية، حتى داهمته انتكاسة داخل طائفته الدرزية ومعقله في الشوف والجبل. فقد أسفرت حادثة الجاهلية (مداهمة شعبة المعلومات لمقر الوزير السابق وئام وهاب بهدف توقيفه، وحصول إطلاق نار أدى الى مقتل أحد مساعديه محمد أبو دياب) عن نتيجتين سياسيتين: نشوء جبهة سياسية درزية معارضة لجنبلاط نواتها تحالف ارسلان ووهاب، وانكشاف تدخل حزب الله في شؤون الطائفة وتوازناتها الداخلية وانحيازه لمحور ارسلان ـ وهاب وتغيير نمط تعاطيه مع جنبلاط. وبعدما كان متسامحا معه ومستعدا لتنظيم الخلاف حول سوريا متفهما خصوصية وضعه وظروفه، عمد حزب الله الى إعادة النظر في سياسته وعلاقته مع جنبلاط، خصوصا بعدما تطورت الأمور الى اشتباك مباشر انطلقت شرارته من «عين دارة» ووصل الى «مزارع شبعا».

يبقى وليد جنبلاط الزعيم الدرزي من دون منازع ومعه أكثرية لم تقل يوما عن الـ 70 في المئة، ويمكن أن تصل في وقت الخطر الى 90 في المئة. ولكن تغييرات كثيرة طرأت وأرخت بثقلها على جنبلاط، وأمورا كثيرة أدركها:

أدرك أن تحالفه «العميق» الذي كان قائما مع الرئيس رفيق الحريري لا يمكن أن يستمر وأن يتكرر بذات المستوى والانسجام مع نجله الرئيس سعد الحريري الذي غيرته الظروف والتجارب وقرر المضي قدما في التحرر من حسابات وقيود وأثقال الماضي في محيطه المباشر وفي بيئته وفي تحالفاته ضمن إطار 14 آذار. أدرك جنبلاط أن واقعا سياسيا جديدا قام في لبنان مع قيام التسوية الرئاسية السياسية عام 2016، وأن مركز القرار صار عند «عون ونصرالله»، وأن لعبة السلطة تتركز عند «الحريري - باسيل»... وقد شكل تحالف الحريري ـ باسيل الهاجس الأكبر لدى جنبلاط بعدما تأكد من رسوخه واستناده الى تفاهمات ومشاريع وصفقات يخشى أن تمتد مفاعيلها وأن تغطي كل المرحلة المتبقية من العهد وتلامس عتبة رئاسة الجمهورية المقبلة.

أدرك جنبلاط أن الرئيس نبيه بري حليفه التاريخي والدائم لم يعد في وضع القادر على توفير الحماية السياسية الكاملة له، ولم يعد متحكما بقواعد ومفاتيح اللعبة. فمن جهة لا يدخل بري في مواجهة مع شريكيه في الحكم، عون والحريري، من أجل جنبلاط. ومن جهة ثانية يقف بري عند حد معين في تدخله لدى حزب الله من أجل جنبلاط، وأقصى ما يمكنه القيام به هو دور الوساطة والتهدئة. ومن جهة ثالثة يجد بري صعوبة في تبرير وتصريف سياسة جنبلاط الثابتة ضد النظام السوري وتحمل عبئها الثقيل.

أدرك جنبلاط أن علاقته مع حزب الله أصابها عطب في عنصري الثقة والتقدير... فالحزب يتعامل مع جنبلاط وفق حجمه الجديد والواقعي، وفي المقابل ينظر جنبلاط الى حزب الله على أنه الطرف الذي يقود وينظم عملية محاصرته وتطويقه سياسيا...

أدرك جنبلاط أن علاقته مع القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع تظل محكومة بتحالف مدروس لا يأخذ مداه الكامل، وأن العلاقة مع فرنجية محدودة، وأن الرهان على محور معارض داخل الحكومة يجمعه مع جعجع وفرنجية بتشجيع واحتضان من بري ليس رهانا في محله، وأن البديل عنه هو إبقاء خطوط التواصل مع الرئيس ميشال عون قائمة.

أدرك جنبلاط أن ظروف المسرح الإقليمي تغيرت ولم تعد مطمئنة، وأن دوره كعنوان لدروز سوريا وفلسطين وليس فقط في لبنان اعتراه الكثير من التآكل وفقدان البريق والوهج. فقد تغيرت السويداء ودروز فلسطين أصبحوا سياسيا في مكان آخر. ويُقال انه عندما ذهب جنبلاط الى موسكو للحصول على ضمانات لحياته ومستقبل تيمور ولدروز سوريا، حصل على ضمانات أمنية وأمن تيمور، ولكن بعد ان تعهد بوقف تدخله لدى دروز سوريا وتحييد نفسه عن ملف إدارة العلاقة بين الدروز والنظام في سوريا بطلب روسي صريح.

أدرك جنبلاط، وهذا الأهم، أن الاختراق الذي تفاداه طويلا وعمل على منع حصوله داخل طائفته وانفجر أخيرا في الشارع، وأن الطائفة الدرزية التي تميزت بتماسكها وتراصها لم تعد كذلك، وأن الصراع السياسي الذي يخوضه قد اتسع وصار يشمل جبهات كثيرة بينها الجبهة الداخلية. ويجري كل ذلك في الوقت غير المناسب وفي مرحلة قرر جنبلاط أن تكون انتقالية وأن تجري فيها عملية نقل الزعامة الى نجله تيمور، وإذا به يكتشف أن تيمور ليس جاهزا لتسلم زمام القيادة السياسية والحزبية، وليس مجهزا ومعدا لمواجهة أوضاع بالغة الدقة والتعقيد، وليس مزوّدا بخبرة وتجربة لخوض معارك سياسية صعبة ونارية، خصوصا وانه لم يسلك الطريق الأسرع الى تثبيت وترسيخ الزعامة وهي «الوراثة بالدم»...

وليد جنبلاط قامت زعامته على دم والده كمال جنبلاط ودماء حرب الجبل. سعد الحريري قامت زعامته على دم والده رفيق الحريري. سليمان فرنجية على دم والده طوني فرنجية. سامي الجميل على دم شقيقه بيار مكررا تجربة الرئيس امين الجميل الذي وصل الى الرئاسة على دم شقيقه الرئيس بشير الجميل، وهكذا...

لأن جنبلاط أدرك كل ذلك، لم يعد أمامه إلا خيار المواجهة واقفا عند خط الدفاع الأخير، بعدما اخترقت جبهته وتهاوت خطوط الدفاع الأولى.. وجد جنبلاط أن ليس هذا أوان تقاعده السياسي واللعب من خلف الستارة، وأنه مضطر لتمديد فترة بقائه على المسرح، وأن ليس هذا الظرف الملائم لتسليم تيمور مقاليد السلطة والقرار والقيادة.. جنبلاط يخوض معركة بقاء ووجود. معركة حياة أو موت، وحربا سياسية مفتوحة على إيقاع إقليمي متسارع، وفي ظل تحولات داخلية في الأحجام والأدوار وموازين القوى، ومع طائفة خائفة على حالها وعليه، ومسكونة بهاجس المستقبل والمرحلة الآتية عاجلا أم آجلاً، «مرحلة ما بعد وليد جنبلاط».

3 - القوات اللبنانية - سمير جعجع

العام 2016 كان نقطة التحول الثانية (بعد العام 2005 تاريخ خروجه من السجن السياسي) في مسيرة سمير جعجع السياسية. في بدايات ذلك العام طوت القوات اللبنانية صفحة الخلاف المزمن مع التيار الوطني الحر. في نهاياته صوّتت للرئيس ميشال عون وأسهمت في وصوله الى قصر بعبدا.

إذا كان الفضل الأساسي في رئاسة عون يعود الى حزب الله الأقوى على الأرض والذي ذهب في لعبة الفراغ الرئاسي والتعطيل والمرشح الوحيد حتى النهاية، فإن القوات اللبنانية هي التي كسرت حلقة المأزق الرئاسي وأوقفت عملية الدوران في الحلقة المفرغة، وأحدثت التحوّل الحاسم في مجرى المعركة.

فمن دون الحريري والصوت السنّي ما كان حزب الله قادرا على إيصال عون، ومن دون جعجع والناخب المسيحي الحليف ما كان الحريري ليتحوّل من ضفة الى أخرى، ومن خيار فرنجية الى خيار عون، مع العلم أن الحريري باعتماده خيار فرنجية للرئاسة ومن دون التنسيق مع القوات ومن وراء ظهرها، هو الذي دفع جعجع الى الرد باعتماد خيار عون كخيار وحيد للرد والبقاء في المعادلة.

أثمر اتفاق معراب رئاسيا وصول الرئيس القوي الى رئاسة الجمهورية، أي الرئيس الذي يستند الى تمثيل مسيحي و«شرعية شعبية» أولا، والرئيس الذي يختاره ويسميه المسيحيون. وهذا ما يحصل لأول مرة منذ الطائف. وبعدما كان الرئيس «التوافقي» حصيلة توافق إسلامي (سنّي ـ شيعي)، كان الرئيس القوي هذه المرة حصيلة اتفاق مسيحي.

وأما الإنجاز الثاني فتمثل في قانون الانتخابات الجديد الذي طالما سعى إليه المسيحيون وطالبوا به لتحسين التمثيل والتوازن، وتطبيق أفضل للطائف والاقتراب ما أمكن من «المناصفة» الفعلية.

وبالفعل حقق قانون النسبية مع دوائر جديدة والصوت التفضيلي أفضل تمثيل ممكن للمسيحيين، وكرّس التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية الحزبين الأقوى على الساحة المسيحية وبفارق شاسع عن الأحزاب الأخرى... وبعد الانتخابات تشكلت أول حكومة بثقل مسيحي واضح كمّا ونوعا، مع حيازة طرفي اتفاق معراب على نصف مقاعدها وحقائب وازنة، وهذا التغيير الملموس في الوضعية المسيحية يتيح للقوات اللبنانية أن تقول إن اتفاق معراب كان خيارا صحيحا، وان وصول الرئيس القوي الى رئاسة الجمهورية أحدث فارقا في معادلة الحكم والتوازن الوطني. ولكن لا يمكن للقوات أن تسترسل في هذا التقييم الإيجابي لأن اتفاق معراب تعرّض لتآكل سريع في مصداقيته ومقوّماته وأصيب بعطب أساسي عندما لم يُترجم شراكة بين طرفيه في العهد الجديد.

وفي موازاة التحسن الحاصل على مستوى الشراكة الوطنية (الإسلامية ـ المسيحية)، طرأ خلل على مستوى الشراكة المسيحية (قوات ـ تيار).

القوات اللبنانية كانت مساهما أساسيا في وصول عون إلى قصر بعبدا، ومع ذلك لم تكن شريكا أساسيا في عهده، ولم تعامل على هذا الأساس. القوات خرجت من الانتخابات بانتصار واضح وكانت أكثر من استفاد من القانون الجديد الذي أنصفها وكشف حجمها الشعبي على حقيقته، ومع ذلك لم تنجح في ترجمة انتصارها الانتخابي «حكوميا»، ولم تحصل على ما كانت تريده من حقائب وما كانت تطمح إليه من تمثيل حكومي متناسب مع حجمها النيابي والسياسي الجديد، وهذا الاختلال الحاصل بين واقع نيابي متقدم وواقع حكومي متراجع سببه السقوط المبكر لاتفاق معراب والانهيار السريع في العلاقة بين رئيسي القوات والتيار...

لم تنجح عملية بناء علاقة ثقة وتبادل بين جعجع وباسيل، ليس لأسباب «كيميائية» وإنما لأسباب سياسية. قد يكون السبب في خطأ تقدير سياسي وقعت فيه القوات عندما لم تقم وزنا وحسابا لما سيكون عليه موقع ودور باسيل في العهد الجديد وطبيعة علاقته مع الرئيس عون وطموحه الرئاسي الجامح، لتكتشف أن التوقيع كان مع الرئيس عون وأن التنفيذ سيكون مع الوزير باسيل، الذي لم يظهر اكتراثا باتفاق معراب ولم يلتزم ببنوده، وإنما أدار ظهره لجعجع وتصرف كما لو أن التحالف مع الحريري يكفيه، أو كما لو أن اتفاق معراب مفصّل على قياس الاستحقاق الرئاسي للعام 2016 وانتهى معه وانتفت الحاجة إليه، وصار الأمر يتطلب اتفاقا جديدا مفصّلا على قياس رئاسة العام 2022.

وطالما هذا الاتفاق مستبعد، لا بل مستحيل، فإن العلاقة بين الطرفين ستظل في مسار صراع وتضارب مصالح ولن يفوّت باسيل فرصة أو مناسبة لإضعاف القوات والتضييق عليها. هذا ما حصل في حكومة العهد الثانية، وهذا ما حصل ويحصل في عملية التعيينات الإدارية التي تشمل مراكز أساسية وحساسة.

لا يجد باسيل صعوبة في تبرير خصومته مع جعجع ومحاربته له، وفي إيجاد الذرائع والتهم، كأن يقول إن القوات لم تقف مع العهد وحاربت التيار في ملف الكهرباء وساهمت في تشويه صورته ووضعته ضمن منظومة الفساد... أو أن القوات اختارت طريقها وانخرطت في عملية تطويقه عندما قررت التفاهم مع فرنجية وسلكت طريق بنشعي، وعندما انحازت الى وليد جنبلاط وسلكت طريق المختارة في أزمة الجبل الأخيرة.

القوات مصدومة من باسيل، وهذه الصدمة مستدامة وتترسخ وتكبر مع الوقت. والقوات أيضا خائبة من الحريري لأنه فضل التحالف السلطوي مع باسيل على التحالف السياسي مع جعجع، ولان قوة باسيل متأتية بالدرجة الأولى من ضعف الحريري، ولكن هذه الخيبة مؤقتة وتخف عند القوات، وكلما اكتشف الحريري أن التفاهم مع باسيل بات صعبا ومكلفا...

لم توفق القوات في حجز موقع متقدم لها في السلطة، ولكنها نجحت في نسج علاقات سياسية وتحقيق خروقات وفتح آفاق جديدة.

على الساحة المسيحية كانت المصالحة التاريخية مع سليمان فرنجية و«المردة»... على الساحة الدرزية أقامت علاقة سياسية خاصة مع وليد جنبلاط متفهمة هواجسه ومراعية خصوصية الجبل تحت سقف المصالحة التاريخية... على الساحة السنية، لم تعد العلاقة محصورة مع الحريري وإنما توسعت لتشمل قوى وقيادات أخرى، في مقدمها الرئيس نجيب ميقاتي... وعلى الساحة الشيعية، أقامت القوات علاقة ود واحترام مع الرئيس نبيه بري، وأقامت هدنة سياسية وإعلامية في ظل تقاطعات ملحوظة داخل الحكومة على أكثر من ملف اقتصادي ومالي وإداري مع حزب الله، ولكنها ليست كافية لنقل العلاقة الى مرحلة حوار وتفاهمات، طالما هناك هوّة استراتيجية تفصل بين مشروعين ومسارين...

ووسط كل هذه الحركة السياسية من المراجعة وإعادة بناء الحسابات والعلاقات، لا تبدي القوات الندم على خيارات المرحلة السابقة، والتي كانت صحيحة في وقتها ولم يكن من خيارات وبدائل أخرى متاحة، ولا تتوقف عند انتقادات واتهامات متأتية من حلفائها في 14 آذار سابقا بأنها مشت مع الحريري في تسوية غير متكافئة أخلّت بالتوازن وفرطت 14 آذار وسلمت البلد الى حزب الله، وإنما تتطلع القوات الى «المستقبل القريب» والى «مرحلة ما بعد عون» عندما تنتهي ولايته الرئاسية بعد 3 سنوات.

ولأن الاستحقاق الرئاسي المقبل سيكون «مفصليا» على كل المستويات، فإن القوات أدرجته في صلب جدول أعمالها للمرحلة المقبلة وتهيئة نفسها لكل الظروف والاحتمالات، من دون الخوض في الأسماء والترشيحات، ومن دون اتخاذ مواقف وخيارات حاسمة ونهائية، وفي أي اتجاه. فمن السابق لاوانه الخوض في الملف الرئاسي من الان...

من الطبيعي أن يفكر جعجع برئاسة الجمهورية ويطمح للوصول الى قصر بعبدا، بعدما كان مرشحا رسميا في انتخابات 2016 ونال أصواتا كثيرة في دورة الاقتراع الأولى والوحيدة التي جرت. ومن الطبيعي أن يفكر بالمداورة في رئاسة الجمهورية بين التيار والقوات على قاعدة الرئيس القوي. ولكن جعجع يدرك، وخصوصا بعد تجربة العام 2016، أن رئيس الجمهورية تقرره الظروف وموازين القوى في حينه، وأن أي رئيس لا يمر إذا جوبه بفيتو شيعي أو سني، وأن الرئيس القوي هو الذي يتفق عليه المسيحيون ويوافق عليه المسلمون. الانطباع السائد عند كثيرين أن المعركة الرئاسية المقبلة محصورة بين باسيل وفرنجية، وأن جعجع إذا «حوصر» بين هذين الخيارين سيختار فرنجية... ولكن هذا الانطباع ليس في محله ومن الممكن والوارد أن تكون رئاسة الجمهورية مفتوحة على «الخيار الثالث»، وأن يكون هذا الخيار هو المفضل لدى جعجع والمخرج من وضع يحشره بين شخص العلاقة الشخصية معه سيئة، وشخص العلاقة السياسية معه صعبة... وهذا الخيار الثالث لا يتنافى مع مبدأ ومفهوم الرئيس القوي، فأي رئيس تتفق عليه القوى والأحزاب المسيحية الأساسية، يصبح قويا حتى لو لم يكن من صفوفها ومنتميا إليها...

أنظار القوات وحساباتها متجهة الى مرحلة ما بعد عون: لمن تؤول الزعامة المسيحية؟! ومن يكون رئيس الجمهورية المقبل؟! مسألة الزعامة واضحة الى حد ما. مسألة الرئاسة غامضة إلى حد كبير...

4 - التيار الوطني الحر - جبران باسيل

لم يعد رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل يخفي مشروعه الرئاسي ورغبته في الوصول الى قصر بعبدا.

لم يعد الأمر مجرد طموح رئاسي وإنما أصبح مشروعا سياسيا متكاملا على أساسه تتحدد التحالفات والخصومات وتعقد التفاهمات والاتفاقات وتجمع الأوراق والنقاط.

من السابق لأوانه الحديث في موضوع الرئاسة لسببين على الأقل: الأول يتعلق بولاية الرئيس ميشال عون التي لم تبلغ منتصفها بعد، والثاني يتعلق بوتيرة الأحداث في المنطقة وتبدل الظروف بين اليوم والغد.

هذه الظروف هي التي تحدد الإطار الإقليمي للاستحقاق الرئاسي والهوية السياسية للرئيس المقبل. ولكن باسيل بدأ معركته الرئاسية باكرا وسريعا لدرجة أنه يحرق المراحل ويبدو على عجلة من أمره. ومما لا شك فيه أن وجود الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا يساعد باسيل على اختصار الوقت والمسافات، وعلى دفع مشروعه الرئاسي الى الأمام.

فالرئيس عون الذي حرص على حسم مسألة رئاسة التيار الوطني الحر قبل وصوله الى قصر بعبدا، يريد حسم مسألة رئاسة الجمهورية المقبلة قبل مغادرته قصر بعبدا.

ومن جهته يحرص باسيل على الإفادة من هذا الامتياز الذي يعطيه وضعا مميزا في السباق الرئاسي كمرشح جدي ورئيسي، بحيث بات أحد طرفي المنافسة في مرحلة التصفيات النهائية معروفا ومحددا.

وضع باسيل الرئاسة نصب عينيه كهدف مباشر، وباشر عملية تجميع أوراق ونقاط وأحرز تقدما في المعادلة السلطوية والسياسية من خلال:

- حيازة أكبر كتلة نيابية في البرلمان بعدما كان الرئيس سعد الحريري هو صاحب الرقم 1.

- الحصول على أكبر كتلة وزارية تلامس خط الثلث المعطل.

- إعادة تركيز العلاقة مع حزب الله بعد الاهتزاز الذي حدث في فترة الانتخابات، وكان واضحا ذهاب باسيل باتجاه مواقف داعمة للحزب على المستوى الإقليمي بطريقة أكثر وضوحا وأقل تحفظا مقارنة بما كان عليه الأمر في حكومة العهد الأولى.

- نقل «التصنيف الائتماني» للعلاقة مع الرئيس نبيه بري من درجة سلبية الى درجة مستقرة.

- الحفاظ على علاقة جيدة مع الرئيس الحريري، وإن كانت أكثر حذرا وأقل انسجاما مقارنة بما كانت عليه من قبل.

- الاختراق السياسي داخل الطائفة الدرزية الموازي للاختراق النيابي في الجبل، وإقامة تحالف مع ثنائية ارسلان ـ وهاب المواجهة لجنبلاط وأحادية الزعامة.

- الاختراق السياسي في زغرتا معقل فرنجية عبر التحالف مع النائب ميشال معوض في موازاة الخرق النيابي في الشمال للمرة الأولى (5 نواب).

- الدخول شريكا في «الدولة العميقة» والسيطرة الى حد كبير على الشق المسيحي فيها، ليفعل ما فعله بري «شيعيا» وما فعله جنبلاط «درزيا» وما فعلته الحريرية السياسية «سُنيا».

- حسم الوضع والقرار في التيار الوطني الحر على قاعدة الولاء الشخصي له، وتحوّل المعارضة داخل التيار الى مجموعات متناثرة أو «حالات إفرادية».

- تصحيح علاقته مع دمشق بنسبة معينة بدءا من ملابسات القمة العربية الاقتصادية في بيروت، وصولا الى ملف النازحين السوريين وكيفية مقاربته.

- إقامة شبكة علاقات خارجية بحكم وجوده في وزارة الخارجية على امتداد سنوات ومن دون انقطاع، والبارز كانت العلاقة الجديدة مع روسيا.

- التغلغل في أوساط الانتشار والاغتراب اللبناني والربط مع مراكز ثقل فيه، في سياق عملية إعادة ربط المغتربين بوطنهم الأم.

في الواقع، حقق باسيل إنجازات وحجز له مكانا في الصف الأمامي بين قيادات الصف الأول، ولكنه الأكثر إثارة للجدل وأكثر من يطرح إشكالية حول شخصه وأدائه. الجميع تقريبا، حتى خصومه، يقرون أنه مجتهد ونشيط وأكثر من يتحلى بـ «دينامية سياسية» في حركة لا تهدأ، متعددة الأشكال والمستويات. يمكن أن تراه وزيرا للخارجية مجتمعا مع نظيره الروسي لافروف، وفي اليوم التالي سياسيا خطيبا في إحدى قرى البترون أو حزبيا ناشطا مع مجموعة في جبال اللقلوق.. ومن الواضح أن باسيل أثبت قدرة على استيعاب قواعد اللعبة واكتساب مهارات سياسية والانتقال في فترة زمنية وجيزة نسبيا من «مدرسة الهواة» الى مرحلة «الاحتراف»...

ولكنه يواجه وضعا صعبا حافلاً بالتحديات وتعتريه نقاط ضعف على المستويين الشخصي والسياسي. خصومه كثر وفي كل الطوائف ولديه مشاكل مع الجميع وبنسب متفاوتة. وتلاحقه الاتهامات من الوزن الثقيل: متهم من قوى وقيادات سنية بأنه يمعن في إضعاف وقضم دور رئاسة الحكومة وصلاحياتها، وفي الالتفاف على اتفاق الطائف عبر ممارسات وأعراف مستحدثة تغني عن تغيير النصوص وتعديل الدستور. ومتهم من الحزب الاشتراكي بأنه منخرط في خطة لتطويق جنبلاط وإضعافه وفي تغذية الانقسام والخلاف الدرزي الداخلي... ومتهم من القوات اللبنانية بأنه يعمل على تدمير المصالحة المسيحية ويعمد الى تمزيق اتفاق معراب وكأنه لم يكن... وكثيرون يتهمونه بأنه يمارس سياسة فوقية متعجرفة ولا يقيم وزنا لأصول وتوازنات وخصوصيات... وبأنه يستقوي بالرئيس عون ويستنزف عهده.

وأما التهمة الأولى التي تلاحق باسيل، فهي أنه يمارس دور «الرئيس الظل» متجاوزا موقعه ودوره وصلاحياته، ويتصرف من خلفية أنه يملك تفويضا مطلقا من الرئيس ميشال عون و«فائض قوة» يتيح له التدخل في كل «شاردة وواردة» وأنه «الصهر المدلل»....

وفي الواقع، يتمتع باسيل برضى وثقة الرئيس عون الذي يتوسم فيه خيرا ويرى فيه امتدادا ووريثا، وأن لديه القدرات لإكمال ما بدأه. من الصعب جدا الفصل بين عون وباسيل، ومن الخطأ الرهان على شرخ وخلاف بينهما، ومن يفعل ذلك عبر تحييد رئيس الجمهورية وكيل المديح له، والتركيز في التصويب على باسيل وشن أعنف الهجمات عليه، إنما يفعل على سبيل المناورة لعلمه بطبيعة العلاقة العضوية بين الرجلين، ولأن الهدف لم يعد عون ورئاسته وعهده، وإنما باسيل ومشروعه الرئاسي وقطع الطريق عليه.

خطة باسيل للوصول الى قصر بعبدا بسيطة ومكشوفة وتختصر بتجديد عقد التسوية وربط علاقة جيدة مع طرفيها الأقوى، السني والشيعي، الشريك سعد الحريري والحليف حزب الله... ولا يبدي باسيل اهتماما بمحور واسع يضم بري ولجنبلاط وجعجع وفرنجية وميقاتي والجميل. بين هؤلاء من حسم موقفه الى جانب فرنجية... ومنهم من يكيف موقفه مع ميزان القوى لاحقا.

علاقة باسيل مع الحريري لم تعد في مستواها السابق من الرسوخ والانسجام... ثمة تغيير حدث في مناخ العلاقة التي ما زالت تستند الى قاعدة مصالح قوية ولكنها فقدت شيئا من حرارتها وتماسكها السياسي، ولم يُعرف بعد سبب هذا التراجع الذي له أسباب كثيرة تبدأ من ابتعاد نادر الحريري وتمر في حملة الضغوط السنية على الحريري لوقف دورة التنازلات وسياسة التساهل مع باسيل، وصولا الى تبدل المعطيات الإقليمية في ظل اشتداد الإيراني - السعودي والضغوط الأميركية على إيران ومراوحة الأزمة السورية في مكانها.

أما علاقة باسيل مع حزب الله، فإنها ما زالت تحالفية راسخة ولكنها مشوبة بملاحظات الحزب على أداء باسيل الذي يسبب له إحراجات أو متاعب، وتشوبه أيضا شكوك باسيل في موقف الحزب منه، وتحديدا من مشروعه الرئاسي.

ويعرف باسيل جيدا أن فرنجية ينافسه على تأييد الحزب وأن وعدا مبدئيا تلقاه منه ولكنه ليس نهائيا ولا كالوعد الذي أعطاه الحزب للعماد ميشال عون «أنت أو لا أحد». لذلك ليس أمام باسيل إلا إثبات أهليته وقوته، وأنه الأفضل والأقدر على تأمين مصالح الحزب واستراتيجيته، والوحيد القادر على أن يكون امتدادا للرئيس ميشال عون ويضمن استمرارية الحالة الشعبية - السياسية غير المسبوقة التي أوجدها على الساحة المسيحية. حزب الله لديه فعلا هاجس «ما بعد عون» في رئاسة الجمهورية أولا، وعلى الساحة المسيحية أيضا...

5 - حركة «أمل» - نبيه بري

عرف لبنان في مرحلة ما بعد الطائف، منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم، اربعة رؤساء للجمهورية وستة رؤساء للحكومة، ولم يعرف إلا رئيسا واحدا للمجلس النيابي. يكفي أن يستمر نبيه بري رئيسا لمجلس النواب لثلاثين سنة متواصلة ومن دون انقطاع ليحقق إنجازا غير مسبوق، ويسجل رقما قياسيا لا يجاريه فيه أحد في العالم، وليثبت أنه الثابت وسط كل المتغيرات والصامد في كل الظروف والمتمتع بدهاء وحنكة وقدرة التكيف والاستمرار، ما جعله محورا أساسيا في اللعبة السياسية ومركز استقطاب وجذب، ورمزا كبيرا من رموز نظام الطائف وعنصرا أساسيا في العناصر المكوّنة لـ «الدولة العميقة» في لبنان.

لطالما اعتبر نبيه بري واحدا من أبرز وأهم حلفاء سورية في لبنان، ولكن وضعه لم يتأثر ولم يتغير بعد الخروج السوري عام 2005، لا في الموقع السياسي والزعامة الشيعية، ولا في موقعه الرسمي والرئاسة الثانية. ومن الواضح أن عصره الذهبي في العلاقة مع سوريا كان أيام الرئيس حافظ الأسد، وأن تبدلا طرأ مع الرئيس بشار الأسد الذي له ملاحظات على الرئيس بري، بدءا من عدم وقوفه كما يجب الى جانب دمشق وحليفها الرئيس إميل لحود عام 2005 وصولا الى ابتعاده عن دمشق منذ انفجار الحرب داخلها عام 2011. فلم يزرها مرة ولم يرسل رجاله إليها للقتال كما فعل حزب الله.

قوي دور الرئيس بري بعد الخروج السوري بدلا من أن يضعف. هو من أطلق وترأس الحوار الوطني وترأس جلساته الأولى في مجلس النواب عام 2006، وهو من كان له الباع الطويل في هندسة اتفاق الدوحة المتفرع عن الطائف، والمتسبب بإحداث أول تغيير في مسيرته التطبيقية.

ورغم أنه واحد من أركان فريق 8 آذار كحليف أول لحزب الله، عرف نبيه بري كيف يحافظ على علاقة جيدة مع فريق 14 آذار وكيف يؤثر فيه أيضا عبر علاقته التحالفية مع وليد جنبلاط، ولاحقا عبر علاقته المميزة مع سعد الحريري، ليصبح جسر تواصل بين «المستقبل» وحزب الله ويرعى حوارا بينهما في مقره في عين التينة إبان احتدام الحرب السورية والصراع السني ـ الشيعي في المنطقة.

في الواقع كان هذا الحوار السنّي ـ الشيعي الوحيد في زمن الفتنة وحقبة ما سُمّي «الربيع العربي»، وكان الرئيس بري يؤدي دورا مهما في تحييد لبنان عن الحريق السوري ومنع انتقال الفتنة الى أرضه، وتحديدا الفتنة السنية ـ الشيعية.

لم يعرف وضع الرئيس بري تبدلا وبداية تراجع إلا ابتداء من العام 2016 سنة التسوية الرئاسة التي أوصلت العماد ميشال عون الى قصر بعبدا وأعادت الرئيس سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، والتي خلطت الأوراق والاولويات السياسية وأرست معادلة جديدة في الحكم. لم يكن بري من محبّذي انتخاب عون رئيسا، لا بل كان يقود جبهة المعارضين لانتخابه، وجاهر بخياره الرئاسي: سليمان فرنجية.

ومع ذلك جارى بري حزب الله في لعبة تعطيل جلسات الانتخاب وفي إطالة أمد الفراغ الرئاسي، الى حين توافرت فرصة انتخاب عون وبأكثرية موصوفة لم يكن بري جزءا منها... والمفارقة هنا أن بري الذي لم يصوّت مع كتلته للرئيس عون، صار شريكا أساسيا في التسوية وركنا ثابتا من أركان العهد الجديد كما في كل عهد. وهذا يعود بشكل أساسي الى حزب الله الذي حرص على بري أشد الحرص وأولى العلاقة معه عناية خاصة وكرّس بقاءه في رئاسة المجلس مدى الحياة. فقد أدرك حزب الله أهمية نبيه بري في إدارة اللعبة الداخلية، وهو المتمرس بتفاصيلها وقواعدها، وأهميته في حفظ وحدة واستقرار الطائفة الشيعية. وأصبح حزب الله بحاجة أكبر الى بري بعد ذهابه للقتال في سوريا، وحاجته الى أن يحمي ظهره في لبنان من خلال جبهة داخلية مستقرة سياسيا وأمنيا وبيئة شيعية حاضنة ومتماسكة...

أدرك بري أن وضعا جديدا قد نشأ في الحكم وعليه أن يتكيف معه، بدءا من فتح صفحة جديدة مع الرئيس عون وبناء علاقة جديدة وجيدة معه. وأدرك أنه من الصعب عليه أن يحتفظ بوضعه السابق وما كان لديه من تأثير ونفوذ طاغ وقدرة تحكم بالسياسات والقرارات في ظل معادلة جديدة تتمحور حول ستة كبار، ثلاثة منهم في الصف الأول وهم: عون ونصرالله والحريري... وثلاثة منهم في الصف الثاني وهم بري وجعجع وجنبلاط، مع وضع متقدم لبري لأن علاقة بري مع نصرالله ظلت ثابتة وتكاملية، فيما علاقة جنبلاط مع الحريري وعلاقة جعجع مع عون أصابها الاهتزاز والتفكك.

الوهن السياسي ظهر على بري في مناسبتين على الأقل: عند وضع قانون الانتخاب الجديد الذي لم يكن القانون الذي يريده والمتناسب مع مصالحه وطموحه... وعند تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات التي أفلتت من يده حصر تركيزه فيها على الاحتفاظ بوزارة المال التي حوّلها الى وزارة «سيادية سياسية»، ومعها صار شريكا في السلطة التنفيذية ومتمتعا بحق الفيتو مع تكريس التوقيع الرابع الملزم الى جانب تواقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزير المختص.

وهذا الضعف المستجد عند بري كان سببا من أسباب تنامي القلق عند وليد جنبلاط الذي لم يعد يجد عند بري الملاذ الآمن والحماية الكاملة، فكان ان تدبر اموره بهبوط اضطراري على مدرج بعبدا. كما كان سببا في حذر وتباطؤ سمير جعجع في علاقته مع بري، وحيث تأكد انها تقف عند حدود معينة، وانها مقيّدة من جهة بموجبات التحالف بين «أمل» و«حزب الله»، ومن جهة ثانية بموجبات الشركة في الحكم بين بري وعون...

ولكن بري لا يهدأ ولا يستكين ولا يستسلم لواقع محبط. في الأزمة الاقتصادية له دور وتدخل من نافذة الموازنة ووزارة المال. في المعادلة اللبنانية ذات البعد الإقليمي له الدور الأساسي في ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية - الإسرائيلية ويبقى المفضل عند الوسيط الأميركي... في المعادلة الداخلية أخذ المبادرة الى إعادة فتح ملف قانون الانتخاب لتعديل القانون الحالي الذي جرت انتخابات 2018 على أساسه. وهذا التعديل الذي يطرحه بري من باب تطوير قانون الانتخاب النسبي ونقله الى مستوى الدائرة الواحدة على مستوى كل لبنان، يرى فيه المسيحيون نسفا وتطييرا للقانون الحالي والنتيجة الأساسية التي ترتبت عليه، وهي تصحيح التمثيل الشعبي والتوازن الوطني ببعديه السياسي والطائفي.

جهد كثيرون في معرفة السبب الحقيقي الذي دفع بري الى فتح ورشة قانون انتخابات جديد والمباشرة بعملية تسويق له متجاوزا الظروف الداخلية غير المؤاتية. السبب الذي أعطاه بري للتحرك الباكر قبل أن تداهمه الانتخابات النيابية المقبلة، لا يبدو مقنعا بالنسبة لكثيرين، بعضهم رأى أن بري وفي إطار توجه شيعي طامح الى تطوير النظام الانتخابي على قاعدة النسبية ارتأى التحرك الآن قبل أن تداهمه التطورات والمتغيرات الإقليمية التي تجعل أن ما يمكن أخذه وتحصيله اليوم سيصعب أخذه وتحصيله في المستقبل... والبعض الآخر رأى أن بري ينطلق أولا من حسابات خاصة تتصل بوضعه وزعامته وحركته (أمل)، بعد الصدمة التي تلقاها في الانتخابات الأخيرة بسبب القانون الجديد، إضافة الى ثغر حزبية وتنظيمية وشعبية عرّضته لخطر الخسارة لولا التحالف الانتخابي مع حزب الله الذي ساهم في ابقائه عند مستواه وفي إخفاء واقعه الشعبي المتراجع.

واذا كان بري أفلت من «قطوع» الانتخابات الأخيرة، فانه قلق من الانتخابات المقبلة وإمكان ان تتحوّل الى «مصيدة» للنيل منه عند المنعطف الأخير من حياته السياسية الطويلة التي لم يذق فيها طعم الخسارة ولا يريد ان ينهيها «بخسارة ونكسة» بفعل القانون الحالي النسبي في ظاهره الأرثوذكسي في عمقه بسبب الصوت التفضيلي.

الانتخابات النيابية عام 2022، والتي تسبق الانتخابات الرئاسية في العام نفسه، هي من حيث المبدأ آخر انتخابات يخوضها الرئيس نبيه بري... وفي الواقع، فان السؤال المطروح من الان ليس ماذا عن بري بعد هذه الانتخابات، وانما بدرجة اكثر الحاحا وغموضا، ماذا عن حركة «أمل» بعد الرئيس بري؟ّ!

ومن هذا السؤال المركزي تتفرّع أسئلة أخرى: اذا كان بري، بخلاف قيادات حزبية وطائفية، لم يطأ أرض الوراثة العائلية ظاهريا على الأقل، ولم يحضّر وريثا، من هو المؤهل والقادر على قيادة الحركة من بعده؟ّ!

اذا كانت حركة «أمل» قامت على شخص بري وارتبطت به، كيف سيكون حالها من دونه؟! ما هو موقف حزب الله، وهل معاملته المميّزة لبري والامتيازات التي أعطاها له تظل نافذة وتستمر مع غيره، ام ان حركة «أمل» مع الرئيس بري شيء ومع غيره ومن دون شيء آخر؟!

6 - حزب الله - حسن نصرالله

بعد الانسحاب السوري من لبنان، بدأ حزب الله عملية ملء الفراغ السوري ودخل للمرة الأولى طرفا رئيسيا في اللعبة الداخلية، لإدارة الوضع والإشراف عليه عن كثب في المجلس النيابي وفي الحكومة..

بعد حرب تموز 2006، نفذ حزب الله عملية ارتداد الى الداخل اللبناني لمحاسبة خصومه الذين انضووا في إطار تحالف 14 آذار، فكانت أحداث 7 أيار واتفاق الدوحة الذي شكل أول اختراق في مسيرة الطائف وتحوير في مساره التطبيقي..

وبعد انفجار الأحداث والحرب في سوريا، لم يجد الحزب بدا من الانخراط فيها، ليس فقط للدفاع عن النظام السوري الحليف، وإنما للدفاع عن نفسه ومشروعه ومكتسباته في لبنان، لأن سقوط نظام الأسد كان سيؤدي الى سقوطه في لبنان.

وطوال فترة الحرب السورية التي لم تنته فصولا بعد، عمل حزب الله، المنهمك في دور جديد وغير محسوب كلاعب إقليمي، على ضبط الساحة اللبنانية والحؤول دون حدوث تغييرات أو مشاكل فيها. ولذلك كانت حقبة جمود سياسي وتمديد نيابي وفراغ رئاسي حتى العام 2016 عندما تمكن حزب الله أخيرا من إيصال حليفه العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية..

هذا التطور شكل نقطة تحول في مسيرة الحزب السياسية وفي دوره الداخلي. فقد غادر مرحلة الرئيس التوافقي «الضعيف» ودخل مرحلة الرئيس الحليف «القوي». أشرف على عملية الانتقال من النظام الأكثري إلى «النسبي» في قانون الانتخابات كنقلة أولى نوعية أتاحت له الحصول مع حلفائه على أكثرية تجاوزت عتبة الـ 70 نائبا، كما أتاحت له تجاوز حكومة الثلث المعطل الى حكومة له فيها مع حلفائه أكثرية تكاد تصل إلى «الثلثين»...

وصل حزب الله الى أفضل وضع له في الحكم بالقدر الذي تسمح به قواعد النظام الطائفي وتوازناته. ومع ذلك، فإنه لم يستخدم فائض القوة لديه لفرض سيطرة مكشوفة و«فجة»، وإنما بادر الى «سياسة استيعابية مرنة» عبر التكيف مع نظام الطائف والانخراط بشكل أوضح وأفعل في الدولة وطرح المسائل التي تهم الناس وتتعلق بأمنهم الاجتماعي...

وهذه السياسة ترجمت في الخطوات والمبادرات الآتية :

- إعلان معركة مفتوحة ضد الفساد بإشراف شخصي من السيد حسن نصرالله الذي أعطى انطباعا بأن الفساد بات خطرا وجوديا، والقرار المتخذ لمكافحته هو قرار استراتيجي لا يقل أهمية عن قرارات مقاومة الاحتلال ومحاربة الإرهاب. قرار سلارعان ما جمّد تنفيذه من دون مبررات.

- الإعلان عن برنامج إصلاحات اقتصادية واجتماعية نظري يتضمن تطوير القانون النسبي الحالي واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، واستحداث وزارة تخطيط، وتعزيز دور الهيئات الرقابة، إلخ...

- إبداء الاستعداد الكلامي للبحث في الاستراتيجية الدفاعية عندما يدعو الرئيس عون الى حوار وطني ويرى الوقت مناسبا...

- الدخول المباشر على خط ملف عودة النازحين السوريين، والمساهمة في توفير ظروف العودة وإزالة معوقاتها بالتنسيق مع دمشق.

- دعم عملية ترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل، على أساس موقف لبناني تفاوضي موحد ومتماسك.

- دعم الخطة الأمنية المستدامة التي أعلنها الجيش اللبناني لمنطقة بعلبك ـ الهرمل، وقدم نفسه على أنه له مصلحة في إنهاء الوضع الشاذ هناك، وأنه المستفيد من تبديد هذا «الانطباع ـ الاتهام» بأنه يغطي الوضع ويوظفه لمصلحته. الامر الذي لم تتم ترجمته في أي واقعة او حدث.

- تغيير في الأداء السياسي: يعطي ثقته وأصوات نوابه لحكومة الحريري ومن ثم للموازنة وللمرة الأولى يفعل ذلك / يبين عدم الانتماء الحزبي لوزير الصحة جميل جبق في معرض الإثبات بأن الحكومة ليست حكومة حزب الله / يقدم اعتذارا عن خطأ ارتكبه أحد نوابه نواف الموسوي ويتخذ حياله تدبيرا مسلكيا /يؤكد التزامه اتفاق الطائف نافيا كل ما يقال عن مثالثة ومؤتمر تأسيسي/ يرفع مستوى مشاركته في الدولة، يشارك في رسم سياستها وصنع قراراتها وموازنتها التي صوّت لها للمرة الأولى، ويبدي رغبة في دخول الإدارات وتقاسم الحصة الشيعية مع «أمل» للمرة الأولى/ يوسع نطاق انفتاحه على القوى السياسية ويفتح خطوطا حتى مع الخصوم والشركاء في الحكومة.

- دعم واضح للتسوية الرئاسية ـ السياسية ولطرفيها الأساسيين: رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، والتصرف من خلفية أنهما مستمران حتى نهاية العهد: يبقيان معا أو يذهبان معا.

مجمل هذا السلوك السياسي طرح تساؤلات عن مغزاه وعن الأسباب التي تدفع حزب الله الى اتباع هذا النهج «الاستيعابي»، والى إجراء تغيير في مقاربته للملفات والعلاقات.. وفي الواقع، فإن جملة عوامل وأسباب دفعت الحزب في اتجاه هذه السياسة الجديدة وأبرزها:

1 - الواقع والتوازن السياسي الجديد في الحكم والدولة الذي بات راجحا لمصلحته ويدفع به الى الظهور على المسرح، بحيث لم يعد يكفيه اللعب وتحريك الخيوط من خلف الستارة.. والى اتباع الطرق السياسية في التوسع.

2 ـ الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي لم يعد بإمكانه التغاضي عنه ولا تجاهل انعكاساته السلبية على جمهوره وبيئته أولا، ولا تجاهل حالة التململ داخل المجتمع الشيعي الذي أنهكته الضغوط الاجتماعية والاقتصادية أكثر مما أنهكته الحروب...

3 ـ الواقع الإقليمي الذي يشهد تطورات متسارعة ويضغط باتجاه خروجه من سوريا وعودته الى لبنان عاجلا أو آجلا، ام بالاستعداد «لمرحلة ما بعد الحرب السورية» بتحصين الجبهة الداخلية وتحسين موقعه آجلاً، فكان ان بدأ حزب ودوره فيها، والتصرف ليس فقط كتنظيم عسكري و»كمقاومة» وإنما أيضا كقوة شعبية سياسية باتت جزءا لا يتجزأ من النسيج اللبناني السياسي والاجتماعي والاقتصادي ومكوّنا أساسيا من مكوّنات النظام والدولة.

4 ـ الواقع الدولي الذي يضغط عليه عبر عقوبات أميركية أوقعته في «ضائقة مالية»، وتصنيفات أوروبية وعربية «إرهابية» أوقعته في حصار ديبلوماسي وشوّهت صورته، إضافة الى التهديدات الإسرائيلية والمواجهة الأميركية ـ الإيرانية المفتوحة. وكل ذلك يجعله في حاجة الى جبهة متراصة والى بيئة لبنانية حاضنة له.

هذه التغييرات من جانب حزب الله داخل لبنان واكبها اهتمام وترقب دولي لما يجري. وهذه المواكبة تتم بطريقة إيجابية لكن حذرة، بمعنى أن المجتمع الدولي وخصوصا الأوروبي يشجع على هذه السياسة وعلى انخراط أكبر وأفعل من جانب حزب الله في الدولة اللبنانية، يجعله معنيا أكثر بالاستقرار وأقل تطرفا وتشددا وأكثر واقعية وبراغماتية في التكيّف مع الواقع اللبناني ومع معادلة الاستقرار الداخلي والإقليمي.

ولكن استراتيجية حزب الله الجديدة في التدخل لإدارة الأزمات والحلول تثير تساؤلات وهواجس في الداخل ولدى خصوم الحزب الذين يرون أنه، وتحت ستار الإصلاح ومكافحة الفساد، يتدخل في كل شيء ليصبح مقررا ومتحكما بمفاصل السلطة وقرار الحكومة.. وأنه بحجة الأزمة الاقتصادية يبرر تدخله في رسم السياسات المالية وفي أن يكون شريكا في القرار الاقتصادي والمالي، وأنه بسبب الضغوط والعقوبات التي وضعته في ضائقة مالية وديبلوماسية يريد الاحتماء بالدولة وفرض سيطرته عليها بشكل منهجي وعبر الطرق السياسية، لأخذ ما يتناسب مع حجمه الواقعي وما لم يعطه إياه اتفاق الطائف...

يتوقف خصوم حزب الله عند «سلبيات» حزب الله التي ارتفعت وتيرتها هذا العام:

1- تدخله الفاضح في شؤون الطائفتين الدرزية والسنية وتحقيق اختراق سياسي مزدوج من خلال فرض تمثيل لحلفائه في هاتين الطائفتين داخل الحكومة، إضعاف رئيس الحكومة سعد الحريري الموضوع تحت رقابة سياسية واقتصادية مشددة، جر لبنان الى متاهات إقليمية عبر التورط في المواجهة الأميركية ـ الإيرانية والتهديد بالرد في حال هوجمت إيران، وفي الصراع السعودي ـ الإيراني الذي يترجم على ساحة اليمن.

حزب الله لا يأبه لهذه الاعتراضات ويمضي قدما في خطة إعداد ترتيبات المرحلة المقبلة، المرحلة الجديدة المحكومة من الآن بهاجس ما بعد العام 2022 الذي يشهد تباعا نهاية رئاسة بري لمجلس النواب ونهاية ولاية عون في رئاسة الجمهورية.

من الواضح أن حزب الله لن يكون تصرفه وتعاطيه على الساحة الشيعية بعد بري ومن دونه، مثلما كان مع بري وعلى أيامه.. ولن يعطي الرئيس الجديد أيا يكن ما أعطاه للرئيس عون من دعم وثقة.. وأما في الاستحقاق الرئاسي، فإن حزب الله لم يقل كلمته ولديه كل الوقت ليقولها، ولم يعط وعدا نهائيا لأحد، وليس لديه التزامات تجاه أحد.

وأما النقطة الحاسمة والواضحة لديه، فهي أنه يريد رئيسا حليفا وليس من مكان عنده للرئيس التوافقي والوسطي، ليس فقط لأن توازنا يجب ان يحصل على مستوى السلطة التنفيذية بين رئيس حكومة من 14 آذار ورئيس جمهورية من 8 آذار، وإنما لأن الحاجة الى رئيس جمهورية موثوق به تصبح أكبر بعد خروج بري من المشهد والمعادلة، ولأن اللعبة الفعلية هي على طاولة مجلس الوزراء وليست في مجلس النواب.

وهذا يتطلب اشراك المجتمع المدني من اهل الاختصاص في الحوار قبل اتخاذ قرارات صعبة وجريئة، بدءا بمكافحة الفساد وكل اشكال هدر وسرقة المال العام مع ما يفترضه ذلك من رفع الغطاء السياسي عن كل المرتكبين والمخالفين، واطلاق يد القضاء وأجهزة الرقابة.

2 - مسألة النازحين السوريين التي حان أوان طرحها على بساط البحث والحوار ووضع خطة متكاملة لعودة طوعية آمنة.

فالحرب السورية تكاد ان تضع اوزارها بعد انتهاء المعارك الكبرى وانطلاق مرحلة الصفقات والتسويات السياسية، والمناطق الآمنة في سوريا باتت متوافرة على نطاق واسع، في وقت تتحرك مبادرات روسية ودولية باتجاه ان تصبح قضية النازحين جزءا لا يتجزأ من التسوية وترتيبات انهاء الحرب.

واياً تكن طبيعة هذه المبادرات وما ستؤول اليه، هنا ايضاً يفترض اشراك من عمل الى جانب مؤسسات الدولة في وضع الأطر والخطط والمنهجية، ليأخذ لبنان مصيره بيده والمبادرة الى إيجاد حلول لقضية النازحين، بعيدا عن أي مزايدات وتجاذبات سياسية لا يجب ان تدخل على خط هذه القضية الوطنية التي يجب ان تظل في منأى عن الخلافات وان تكون موضع توافق وتفاهم.

واما مسألة العلاقة الرسمية بين لبنان وسوريا، فانها تمثل جزءا من النقاش الذي سيدور حول موضوع النازحين، مع ان لبنان ملتزم لهذه الناحية بقرارات جامعة الدول العربية وبالموقف العربي العام الذي بات ميّالا لفكرة عودة سوريا الى الجامعة العربية والى موقعها ودورها في المنطقة العربية في الوقت المناسب، وبمجرد توافر ظروف التسوية السياسية.

3 - مسألة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل في البحر والبر. وهذا الترسيم تفرضه ضرورات حل النزاع على النفط والغاز في البحر وتكوين مناخ استقرار داعم لاستخراج الثروة البحرية من جهة، ولتسوية النقاط العالقة على الخط الأزرق ونزع فتيل التوترات والنزاعات الحدودية الكامنة، مع بقاء ربط النزاع حول ملف مزارع شبعا الواقعة في المثلث الإسرائيلي - السوري - اللبناني.

صحيح ان توافقا «رئاسيا» حصل على هذه المسألة وعلى الربط بين الحدود البحرية والبرية ضمن مسار وملف واحد، ولكن يبقى ان التوافق الوطني مطلوب حول أدق وأخطر المسائل التي تتعلق بلبنان وحدوده الجنوبية وأمنه الإقليمي، واستطرادا ولاحقا الحوار حول ملف النفط والغاز والثروة البحرية وكيفية ادارتها واستغلالها.

4 - اللامركزية الإدارية الموسعة التي نص عليها اتفاق الطائف ولم تطبّق بعد، في ظل حركة غير عادية مشوبة باعتبارات قد تقود الى وضع أسس لفيدرالية الطوائف بدل تعزيز الدولة المدنية، في وقت تستطيع اللامركزية الإدارية تحقيق الانماء المناطقي المتوازن، وتخفيف الأعباء عن المواطنين والحد من قيود الدولة المركزية، وتخفيف حدة الصراع حول السلطة المركزية، والتواصل مع اهل الاختصاص اكثر من اهل السياسة الى الدولة المدنية، وهي تصون دولة الحق والقانون والحرية والعدالة والمساواة والديموقراطية، ولا تدعو الى الغاء الطائفية السياسية على طريقة اتفاق الطائف، بل تضع الطوائف والمذاهب، والطائفية السياسية، ومؤسساتها، في الموضع القانوني والدستوري الذي تستحقه، ويليق بها، وذلك بما لا ينال من مدنيّة الدولة.

مع العلم ان هناك مسائل أخرى مهمة في اتفاق الطائف لم تنفذ حتى الان، ولا يبدو ان نقلها الى حيّز التنفيذ ممكن من دون تفاهم جديد حولها، وفي مقدمها: السلاح الفلسطيني في المخيمات، الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، ومجلس الشيوخ الضامن لخصوصيات وأوضاع الطوائف.

5 - قانون الانتخابات الذي أقر بعد جهد جهيد وحقق النقلة النوعية من النظام الاكثري الى النظام النسبي المتلائم اكثر مع تركيبة المجتمع اللبناني طائفيا ومناطقيا وسياسيا. وبالفعل أظهرت الانتخابات الأخيرة ان تحسناً حصل على التمثيل الشعبي، وان القانون الجديد حدد الاحجام والاوزان وأعطى كل ذي حق حقه وكل ذي حجم حجمه، ولكن الانتخابات أظهرت أيضا ان هذا القانون الذي اقر على عجل تعتريه نواقص وشوائب وتلزمه مراجعة على صعيد تقسيم الدوائر واحتساب النتائج والصوت التفضيلي، وما الى ذلك من أمور قانونية وتقنية تتعلق بآليات تطبيق الانتخاب النسبي وجعله اكثر عدالة وتكافؤا.

هذه نماذج وعيّنات من مسائل وقضايا كثيرة تحتاج الى حوار وطني جامع لا يستثني أحدا ولا يستثني قضية ومشكلة... حوار وطني يرسّخ الاستقرار السياسي ويدعم الحكومة من دون ان يلغي او يتجاوز دورها وصلاحياتها، ويشكل رافعة للعهد ويعطيه قوة دفع في نصفه الثاني...