ما إن تمكّنت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» من تخطّي الأزمة المالية الخانقة التي عانت منها منذ وقف الولايات المتحدة تمويلها لها بقيمة 300 مليون دولار ما يمثّل ربع ميزانية الوكالة السنوية البالغة 1.2 مليار دولار، وذلك عن طريق طلب المساعدة من نحو 40 دولة غربية وأوروبية وعربية لتغطية العجز، وتمكّنت من الحصول على مبلغ 750 مليون دولار تقريباً سدّت فيه عجزها حتى شهر حزيران الفائت من العام الجاري، حتى علّقت كلاً من سويسرا وهولندا مساهمتهما للوكالة لهذا العام والتي تُقدّر مجتمعة بـ 36.782 مليون دولار، في ضوء «ادّعاءات عن سوء سلوك لبعض قياداتها في الإدارة العليا فيها»، وقبل نحو شهر على انعقاد الدورة الـ 74 للجمعية العامّة للأمم المتحدة في نيويورك للتصويت على التجديد لولاية الوكالة.

وتكشف أوساط ديبلوماسية مطّلعة أنّ الوكالة لم تعد تُعاني فقط من النقص في الأموال اللازمة لاستمرار صرف المساعدات الإنسانية والغذائية للاجئين الفلسطينيين، إنّما أيضاً من صيت سيء ألصقته واشنطن بها من ضمن حملتها لتضييق الخناق على عنقها بهدف وقف عملها نهائياً من خلال عدم التجديد لولايتها في الأمم المتحدة، وتصفية بالتالي قضية اللاجئين الفلسطينيين تزامناً مع إعلانها لـ «صفقة القرن»... ولهذا تسعى خلال الشهر الذي يفصل عن انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل في نيويورك، وانطلاقاً من هدفها هذا، الى تأليب دول مانحة مهمّة أخرى الى تعليق أو وقف مساعداتها للأونروا كونها «تُديم الوضع الراهن وهي فاسدة وغير فعّالة ولا تُساعد على السلام» من وجهة النظر الأميركية، لكي تُصبح عاجزة كليّاً عن تأمين المدفوعات التي تقدّمها سنوياً للاجئين الفلسطينيين في الدول المضيفة لهم.

وهذا الأمر في حال نجحت واشنطن في التوصّل اليه، على ما أوضحت الأوساط نفسها، لا بدّ وأن يكون كارثياً على وضع اللاجئين الفلسطينيين ككلّ الذين يبلغ عددهم أكثر من 5 ملايين لاجىء ويعيش ثلثهم تقريباً في مخيّمات لبنان والأردن وسوريا وقطاع غزّة والضفّة الغربية المحتلّة. فهؤلاء يعتمدون بشكل كبير على المساعدة والحماية التي تقدّمها لهم الأونروا منذ تأسيسها في العام 1950 إثر نكبة العام 1948، عن طريق المساعدات المالية الشهرية، والطبابة التي تؤمّنها لهم من خلال 143 عيادة ومستوصف، وتأمين التعليم لأبنائهم من خلال امتلاكها لـ 711 مدرسة. كما من شأنه أن يجعل الدول التي تستضيفهم، وعلى رأسها لبنان، مجبرة على استيعابهم لديها، أي دمجهم في مجتمعاتها، وبالتالي «توطينهم»، ونزع بالتالي حقّ عودتهم الى ديارهم منهم، فضلاً عن عدم حصولهم على التعويضات التي نصّ عليها القرار الدولي 194 ووجوب أن تدفعها إسرائيل لهم.

وأكّدت الاوساط، بأنّ أكثر من 550 ألف لاجىء فلسطيني يعيشون حالياً في 12 مخيّماً و156 تجمّعاً في المحافظات الخمس اللبنانية، بدأوا يتأثّرون سلباً مع الإنخفاض في الخدمات المقدّمة للاجئين، على ما أفادت المعلومات، فبعد أن كان معدّل الإنفاق السنوي على اللاجىء الفلسطيني الواحد سنوياً يصل الى 200 دولار في العام 1975، انخفض تدريجاً ليصل في العام الجاري الى 110 دولار فقط. ومن هنا، فإذا تواصلت الأزمة المالية للأونروا، تتساءل الأوساط نفسها ما الذي سيكون عليه مصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكيف ستتعامل الدولة معهم في ظلّ تمسّكها بدستورها الذي يرفض «التوطين».

وتساءلت الاوساط، إذا كان بقاؤهم لمدة 71 عاماً حتى اليوم على الأراضي اللبنانية مؤقّتاً، ولم يفرض توطينهم، أفلن يتحوّل وجودهم بحكم الواقع الى «توطين» فعلي إذا ما استمرّت إقامتهم في لبنان لسنوات طويلة مقبلة بعد، حتى ولو لم تُوافق الحكومات على مبدأ «التوطين»، وخصوصاً أنّ وجودهم يُعرقل عمل الحكومة في تحقيق النمو الإقتصادي، كما ينزع عنهم «حقّ عودتهم الى ديارهم» مع مرور الوقت الذي تستفيد منه واشنطن لتمرير مخططها للمنطقة.