من يعتقد بأنّ فريقاً سياسياً خرج منتصراً من لقاء المصالحة والمصارحة الخماسي الذي عُقد في قصر بعبدا في التاسع من آب الجاري لتحييد حادثة قبرشمون عن جلسات مجلس الوزراء كخطوة أولى لعدم تعطيل عملها، وأنّ الفريق الآخر خرج منه خاسراً، فهو مخطئ. فلا رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط انتصر على رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان، والعكس صحيح، لأنّ التوافق، على ما كشفت مصادر سياسية عليمة، رسا على إعطاء الكلمة الفصل في هذه القضية للتحقيقات الأمنية ومن ثمّ يُصار الى إحالتها الى القضاء المختصّ، قبل صدور بيان السفارة الأميركية كالمخرج الأفضل لعدم شلّ العمل الحكومي.

وتقول المصادر، انّ البيان الصادر عن السفارة الأميركية الذي أكّد على «دعم الولايات المتحدة المراجعة القضائية العادلة من دون أي تدخّل سياسي»، والذي دانه حزب الله معتبراً إيّاه «تدخّلاً سافراً وفظّاً ووقحاً في الشؤون الداخلية، ويُشكّل إساءة بالغة للدولة ومؤسساتها غايته إضفاء التعقيد على الأزمة الراهنة»، فيما وجد فيه الحزب الإشتراكي أنّه «يعكس نظرة الغرب القلقة تجاه ما يحدث في لبنان من تدجين وتدخّل سافر في شؤون القضاء ومحاولة تركيب ملف غير مطابق لنتائج التحقيقات»، كاد يُعمّق الخلاف الدرزي - الدرزي أكثر فأكثر،ولم يكن هو السبب المباشر الذي أدّى الى لقاء المصالحة والمصارحة.

أمّا خلف حصول هذا اللقاء، على ما أشارت المصادر، فكانت مبادرة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي التي أيّدها حزب الله، واتصالات مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، ما دفع بالنائب إرسلان الى القبول بالمشاركة في هذا اللقاء رغم إصراره على إحالة جريمة قبرشمون الى المجلس العدلي في ظلّ وقوع ضحيتين من مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب المحسوب عليه. فيما مارست الإدارة الأميركية عبر سفارتها في لبنان الضغوط على جنبلاط للمشاركة أيضاً في اللقاء الخماسي تجنّباً للمزيد من الإشتباكات الأمنية على غرار أحداث قبرشمون- البساتين التي استُخدمت فيها النيران، كونها تخشى من سلاح «حزب الله»، وإلاّ فإنّ البيانات المتبادلة والمضادّة وذات الخطاب المتشنّج كانت كفيلة بإطالة الأزمة لوقت طويل بعد.

ومن هنا، شدّدت المصادر على أنّ اللقاء الخماسي أصرّ على خروج الأطراف منه من دون أن يكون هناك غالب أو مغلوب، حتى وإن عُقدت الجلسة الأولى لمجلس الوزراء بعد حادثة قبرشمون في اليوم التالي من لقاء المصالحة والمصارحة، من دون إدراج القضية المذكورة على جدول أعمالها، على ما كان يريد ارسلان. غير أنّه أوضح في أكثر من تصريح له بأنّ لا نيّة لديه ولفريقه السياسي لتعطيل عمل الحكومة، ولهذا وافق على انتظار نتائج التحقيقات وفصلها عن جلسات مجلس الوزراء.

وفي هذا السياق، فإنّ الرابح الأكبر على ما أوضحت المصادر نفسها، هو الحكومة مجتمعة... هذه الحكومة التي يتمسّك ببقائها حزب الله، فتفجير الحكومة الحالية كان سيؤدّي لتعطيل عمل المؤسسات العامّة في البلاد لأشهر طويلة، أو لأجل غير مسمّى، ما يعود بالضرر على لبنان وعلى جميع المسؤولين والأحزاب فيه. أمّا حزب الله فيودّ البناء على الإنتصارات التي حقّقها خلال السنوات الفائتة ولا يريد التفريط بها حتى أمام حادثة أمنية أوقعت ضحيتين محسوبتين على الحلفاء، وهو بغنى عن أي عقوبات أميركية جديدة قد تُفرض عليه أو على حلفائه، فيما الإدارة الأميركية ورغم امتعاضها من مشاركة حزب الله في الحكومة الحالية وتودّ تحجيم دوره السياسي والعسكري، إلاّ أنّها لا تريد العودة الى نقطة الصفر من خلال تشكيل حكومة جديدة للبنان، في الوقت الذي تروّج فيه لما تسميّه «صفقة القرن» وتسعى للحفاظ على أكبر نسبة من الهدوء والاستقرار في لبنان والمنطقة لتمريرها.