لا تزال منطقة عكار تسجل رقماً قياسياً في الإهمال، وتتصدّر قائمة المناطق المحرومة، رغم أن هذه المحافظة تشكّل خزاناً بشرياً نسبة لارتفاع عدد سكانها، ورافداً رئيسياً للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، وتتوفر فيها نسبة كبيرة من المتعلمين والنخب المنضوية في النقابات. واعتاد أبناء عكّار على غياب الدولة ومشاريعها الإنمائية وخدماتها في ظلّ البحبوحة، فكيف الحال اليوم مع الموازنة المتقشفة وعصر النفقات وتجميد المشاريع، في وقت تتسابق الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في السلطة على اجتذاب أصوات العكاريين في صناديق الإقتراع، مقابل وعود الإنماء التي تغدق عليهم وبرامج التطوير التي غالباً ما تذهب أدراج الرياح بعد الموسم الإنتخابي، أو تبقى حبراً على ورق منسيّة في أدراج المسؤولين.

لا شكّ أن الانتخابات الأخيرة، أفرزت واقعاً جديداً، منحت فيه الناخب العكاري القدرة على التأثير والمحاسبة بفعل الصوت التفضيلي الذي فرضه القانون النسبي، ما جعل طريقة التعاطي مع أبناء المنطقة مختلف عن ذي قبل، ورغم الانقسام السياسي العمودي بين نواب عكار الجدد الذين تفرّقهم خلافات أحزابهم، فإن ذلك لا يمنعهم عن التلاقي والبحث عن حلول جدية لمعاناة منطقتهم وأبنائها، قبل أن يحين موعد المحاسبة في الـ2022.

ومع انقضاء الربع الأول من ولاية المجلس النيابي، بدأ الناخب العكاري يدرس خياراته، ويعدّ العدّة للمحاسبة، في ظلّ غياب الإنجازات التي وعد بها النواب، وهو ما بدأت الأحزاب تلمسه على الأرض، وتسعى جاهدة لوضع برامجها التنموية أمام الرأي العام وبتصرّف الناخب العكاري، وتعتبر «القوات اللبنانية» أن واجب تأمين المشاريع لعكار يتخطّى الحسابات الانتخابية، ويعترف مصدر نيابي في «القوات» أن «المسؤولية كبيرة على نواب عكّار وعلى الأحزاب أيضاً، لأن المنطقة تحتاج كلّ شيء»، لافتا الى أن «المعاناة تبدأ من الطريق التي لا تشبه سوى طريق الجلجلة، وطرقات مدينة تورا بورا في أفغانستان»، كاشفاً أن «حزب القوات اللبنانية بدأ يدرس المشاريع الملحّة لعكار، بدءاً من حماية الزراعة وتوزيع الإنتاج، الى تفعيل المستشفى الحكومي في المنطقة، وتسريع إنشاء الجامعة اللبنانية، وصولاً الى إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض المدني في القليعات».

وتشكل هجرة الشباب من المنطقة هاجساً كبيراً لدى الدولة والمسؤولين، إذ لا يمكن الحدّ منها الا بخلق فرص العمل التي توفّر حياة كريمة لهؤلاء، ويرى معنيون بشؤون المنطقة أن «علاج معضلة الهجرة المتزايدة، يبدأ بإطلاق المشاريع التي توفر فرص العمل للشباب في بلداتهم».

وليس خافياً على أحد، أن عكار تمثّل الثقل السنّي، وتعدّ معقلاً مهماً لتيّار «المستقبل» الذي يقوده رئيس الحكومة سعد الحريري، لكن النقمة تتزايد على هذا التيار، الذي غابت عكار عن أولوياته، وتبخّرت وعوده لأبناء المنطقة منذ انتهاء الانتخابات، لكنّ مصادر قيادية في «المستقبل» تقدّم مقاربة التيار لكيفية حلّ مشاكل المنطقة، مشددة على أن «أول ما تحتاجه عكار إيجاد فرص العمل لآلاف الشباب، وتخفيف نسبة البطالة في هذه المرحلة». وتشير المصادر الى ضرورة «البدء بتنفيذ المشاريع التي تضع المنطقة على خارطة اهتمام الدولة، وأولها تنفيذ بناء الجامعة اللبنانية، ثم تطوير المستشفى الحكومي ليصبح قادراً على القيام بمهامه الصحية المطلوبة للمواطنين، وصولاً الى رصد موازنة مالية لإعادة تشغيل مطار رينيه معوض بشكل عاجل».

ولا تختلف رؤى نواب المنطقة لكيفية النهوض فيها رغم انتماءاتهم السياسية المختلفة. ويشدد أحد نواب عكار العونيين على وجوب «وضع الخلافات السياسية جانباً، والانصراف الى الاهتمام بوضع المنطقة التي تحتاج لجهود كل النواب وكل الأحزاب السياسية»، لافتاً إلى أن «الأولوية للاهتمام بالبنى التحتية من طرقات وصرف صحي، والتخفيف من أزمة السير ومعاناة الناس خلال تنقلها من عكار الى طرابلس وبيروت».