ما يحصل في طرابلس هذه الايام لافت للنظر ومثير للتساؤلات حول ما آلت اليه الاوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية من تدهور خطير..

واكثر ما يلفت النظر هو الصمت المطبق للنواب والقيادات والتيارات السياسية التي تقف متفرجة على معاناة الفقراء وذوي الحاجات الخاصة واصحاب البسطات،وكأنه لم يعد في عاصمة الشمال طرابلس الفيحاء ازمات خانقة سوى ازمة بسطات الفقراء وازمة ذوي الحاجات الخاصة..

وحسب رأي مراقبين ان مجلس بلديتي طرابلس والميناء بدأتا بـ «المقلوب» بمصادرة مصدر رزق الفقراء الوحيد وتجاهل مخالفات ذوي النفوذ...

فقضية ذوي الاحتياجات الخاصة تحولت الى محور جدل عقيم بينهم وبين رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين ألذي لم يشفع لهم اعاقتهم واعتصاماتهم المفتوحة المتكررة ان كان في فصل الشتاء او في هذا الصيف الحار ورغم المناشدات والتمنيات على علم الدين ان يخصص لذوي الاحتياجات الخاصة برنامجا انمائيا يهدف الى تحسين اوضاعهم اجتماعياً واقتصاديا لكن عبثا كل المحاولات التي باءت بالفشل رغم المشاركة الحاشدة من عائلاتهم.

وقد بلغ اليأس الذروة مساء امس خلال الاعتصام الذي نفذه عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة بمشاركة عائلاتهم عندما اقدم احدهم على احراق عربته المتنقلة فهذا يعني ان هؤلاء وصلوا الى ذروة اليأس والاحباط مما آلت اليه اوضاعهم المعيشية خصوصا بعد مناشدة بلدية الميناء منذ مدة بتوظيفهم وذلك اثر ازالة البسطات التي كانت تعتبر مصدر رزقهم الوحيد. يقول احد المشاركين في الاعتصام ان رئيس البلدية وعدهم بالتوظيف لكنه حتى الساعة لم يف بوعده لذلك شكل هذا الاعتصام الخطوة الاولى لسلسلة اعتصامات الى حين تحقيق علم الدين وعده لهذه الشريحة التي تنال في كل دول العالم اهتماما خاصا الا في هذا البلد يرمونهم في الشارع ومهما كان مصيرهم ومصير عائلاتهم لا يكترث له اي مسؤول سياسي.

مشاهد المعتصمين امس تشير بوضوح الى خطورة الازمة الاجتماعية فلم يكن الاعتصام عاديا... فأحدهم حمل ورقة كتب فيها «انا جائع» لم يستطع التعبير بصوته لانه «ابكم» وآخر حمل وصفة طبية يطالب من خلال حركات يديه تأمين هذا الدواء المزمن له. وآخر يتسمر في كرسيه يحرك دواليبها يمنة ويسرى كعقارب الساعة التي تعود الى الوراء.

كذلك لم يخل هذا المشهد من انهيار احد المعتصمين الذي سارع الى صب البنزين محاولا احراق نفسه لكن محاولته باءت بالفشل بعد منعه من المشاركين بالاعتصام ليعلق احدهم بالقول «عم يحرق حالو لأنو منو عايش».

بعد ذلك شيد المعتصمون خيمة مقابل مبنى بلدية الميناء بهدف الاعتصام المفتوح الى اجل غير مسمى وان الشرط الوحيد لإزالتها تنفيذ علم الدين وعده بالتوظيف. ثم بعد ذلك قطع المعتصمون طريق كورنيش الميناء بالاتجاهين ادى الى ازدحام سير خانق ثم عاد المعتصمون بعد وقت من قطعها الى اعادة فتحها من جديد امام السيارات.

وأكثر ما اثار انتباه المعتصمين ان أيا من نواب المدينة لم يبد اي اهتمام حيال قضيتهم الإنسانية حيث لم يتلقوا اي اتصال من اي مسؤول سياسي.

بالتزامن مع ما يجري في الميناء من حراك شعبي ظهرت بلدية طرابلس بحلتها الجديدة بعد ترؤس الدكتور رياض يمق رئاسة بلدية طرابلس بعد اقالة احمد قمر الدين فكانت أولى خطوات يمق على طريق علم الدين حيث أوعز الى كافة فرق الشرطة بمصادرة العربات والبسطات من شوارع طرابلس. والسؤال البارز الذي تطرحه اوساط متابعة هو قبل ان يتخذ يمق خطوات غير محسوبة تجاه الفقراء كان حريا به الوقوف على خاطر هذه الطبقة المسحوقة وتقديم يد العون والمساعدة في ايجاد حلول بديلة ودائمة عبر ايجاد سوق شعبي او قطعة ارض مخصصة لأصحاب البسطات والعربات الى حين ترميم سوق البسطات الذي اندلع الحريق فيه قبل شهر وحتى الساعة ما يزال هذا السوق ينتظر قرار ترميمه وعودة أصحابه اليه.

طرابلس هذه تعيش استهدافا لفقرائها ونوابها اما غافلون او متجاهلون عن سابق اصرار وتعمد فتبدو انها مدينة متروكة لقدرها ...