قد يكون صحيحا ان زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى واشنطن لا تملك جدول أعمال محدداً، ولكنها ستشهد لقاءات هامة مع أبرز المسؤولين الاميركيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية مايك بومبيو، ولكن بالنسبة للحريري ليس مضمون اللقاءات هو المهم، بل شكلها، لما لذلك من رسالة موجّهة لمن يعنيه الامر مفادها أن رئيس الحكومة لا يزال قويّا.

إبّان ازمة انعقاد الحكومة بسبب حادثة قبرشمون وما تلاها، برز حديث إعلامي عن نوايا عدد من الشخصيات لترؤس الحكومة بسبب ما وُصف بأنه «ضعف الحريري»، وكان أيضا اللقاء الشهير الذي جمع رؤساء الحكومة السابقين فؤاد السنيورة، تمام سلام ونجيب ميقاتي بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي أشعر الحريري باقتراب «السكين من ظهره»، ومن داخل «البيت الواحد».

ترى مصادر سياسية مطلعة أن الحريري يعلم بحجم الدعم له من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي، لا بل أكثر من ذلك يعلم بحجم دعم حزب الله لوجوده على رأس الحكومة، وبالتالي لا خوف عليه من هؤلاء، انما ما يخشاه الحريري هو «طموح أبناء البيت الواحد» وعزفهم على وتر علاقته بالسعودية، وهو الذي بات يملك خبرة طويلة في التعاطي مع هؤلاء. وتضيف المصادر: «عند كل استحقاق او أزمة تبرز أصوات في الطائفة السنية تدّعي الحرص على صلاحيات الرئاسة الثالثة، فتصوب سهامها باتجاه الحريري وتتهمه بالضعف تارة وبالانسياق خلف الأخرين تارة اخرى، وهذا ما حصل في الازمة الاخيرة».

لا يمكن بحسب المصادر قراءة زيارة رؤساء الحكومات السابقين الى الرياض في غير سياق محاولة إضعاف الحريري وإظهاره عاجزا عن قيادة الطائفة السنية، مشيرة الى أن نفس الفريق حاول أيضا ضرب العلاقة الجيدة بين الرئاسة الثالثة والرئاسة الأولى، لعلمه بأن علاقة الحريري برئيس الجمهورية ميشال عون هي أحد اوجه قوة الحريري، مشددة على أن هذه السياسة نجحت أحيانا في جعل رئيس الحكومة يتجه لرفع السقف السياسي بوجه رئيس الجمهورية في محاولة منه لمواكبة الموقف «السنّي»، ولكنها لم تنجح في فك ارتباط الرجلين حتى اللحظة.

يعلم الطامحون لرئاسة الحكومة بأن ضرب علاقة الحريري بالرئيس عون سيجعل رئيس الحكومة في المرحلة الأضعف سياسيا، خصوصا بعد أن بات الممثل الأول للطائفة السنية لا الوحيد، وبالتالي بعد كل هذه الوقائع تعلّم الحريري درسا بأن مواجهة الطامحين باتت واجبة، اذ لا يمكن له أن يستمر في إعطائهم «الأذن الصمّاء»، ولا بد من الرد على التحركات السياسية بالسياسة، فكانت زيارة واشنطن.

تؤكد المصادر ان الحريري أصر على التوجه الى واشنطن كرئيس حكومة فاعلة لا معطّلة، وهو تطرق الى هذا الامر في الأيام الاخيرة التي سبقت لقاء المصالحة في بعبدا، والظهور بمظهر الرئيس القوي القادر على إدارة دفّة الحكومة، مشيرة الى أن أفضل ردّ على زيارة رؤساء الحكومة السابقين الى الرياض هو زيارة الحريري الى واشنطن، حيث يعول رئيس الحكومة على نيل الدعم الاميركي لا لشخصه فقط بل الى حكومته واقتصاد لبنان، لان نجاح الحكومة ينعكس إيجابا على صورته الشخصية والعكس.

منذ فترة بات الحريري يمارس لعبة وسطية بين الجميع، تمكن خلالها من نيل دعم الاطراف القوية في لبنان لرئاسة الحكومة، وبالتالي لا يريد التخلي عن هذه السياسة التي في أساسها علاقته مع التيار الوطني الحر، وهذا ما يدفعه الى التمسك بسياسته اكثر لا بل اكثر عبر استحضار الدعم الدولي لها.

وتشير المعلومات من مصادر خاصة الى أن زيارة الحريري الى واشنطن لن تكون سوى البداية لجولة دولية ينوي رئيس الحكومة القيام بها في الفترة المقبلة، على أن يكون الهمّ الاقتصادي عنوانا رئيسيا لها.