لم تعد الحياة هناك كسابق عهدها، فتلك المطاعم القريبة التي طالما تمتع روادها بمنظر البحر باتت بعيدة وهجرها الزوار، حفر رملية لم يعتد الأردونيون رؤيتها، ومساحات رملية اتسعت رقعتها بعد أن هجرتها المياه قسرا... هكذا الوضع في الأردن وتحديدا عند البحر الميت، الذي بات في طريقه للاختفاء.

استيقظ الأردنيون على كارثة انخفاض منسوب مياه البحر الميت إلى 34 مترا دون مستوى سطح البحر، للمرة الأولى في تاريخه، ما قد يشكل خطرا على وجوده ومحيطه.

ويعتبر البحر الميت في الأردن أعمق نقطة على وجه الأرض، وقد شهد تدنيًا لمستواه عام 1980، واليوم تفاقم الوضع مع تراجع مستوى المياه بنسبة ثلاثين مترًا إضافيًا.

خبراء مياه أردنيون شرحوا لـ "سبوتنيك"، الأسباب التي أدت إلى تراجع منسوب البحر الميت، وتأثيره على الحياة هناك، مؤكدين أن التدخل بات مطلوبًا وأن 50 عامًا فقط هي من تفصلنا على جفاف البحر.

تحذيرات مخيفة

وتقول تقارير بيئية، إن منسوب مياه البحر الميت ينخفض بمعدل متر ونصف سنويا، وقد تقلصت مساحته بنسبه 35 في المئة، خلال 4 عقود.

والبحر الذي يتوسط وادي الأردن تبلغ مساحته نحو 550 كليو مترا، ويصل عرضه في أقصى حد إلى نحو 17 كيلومترا، ويصل طوله لـ70 كيلومترا، وينخفض عن مستوى سطح البحر بنحو 400 متر.

وبدأت حفر كبيرة في الظهور بالسنوات الأخيرة في البحر الميت، وتسبب هذه الحفر في تسرب كميات إضافية من مياه البحر، ويرجع خبراء هذه الحفر إلى تركيبة التربة الضعيفة في المنطقة.

وبحسب خبراء، يعود سبب هذا التراجع إلى عوامل بشرية وطبيعية، مثل قيام إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب في الجنوب مما قلل من موارد البحر المائية التي تصب فيه.

​ويضاف إلى ذلك، زيادة مصانع استخراج الأملاح والبوتاس على شواطئ البحر، خاصة في الجانب الإسرائيلي، والتي ساهمت في ضخ كميات كبيرة من مياه البحر.

هبوط مستمر

الدكتور حازم الناصر، رئيس ومؤسس منتدى الشرق الوسط للمياه، وزير المياه والزراعة الأردني سابقا، قال إن "البحر الميت عبارة عن بحيرة مغلقة تصلها المياه بشكل رئيسي من نهر الأردن وروافده الأخرى الموجودة في دول الحوض مثل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، بالإضافة إلى إسرائيل، ونتيجة لتحويل مياه نهر الأردن من قبل إسرائيل عام 1964، وما قامت به دول الحوض الأخرى من تطوير لمصادر المياه وبناء السدود وخاصة سوريا والأردن، فان المياه الجارية باتجاه البحر الميت أصبحت قليلة جدًا".

وأضاف في تصريحات خاصة لـ "سبوتنيك"، أن:

"الجريان التاريخي باتجاه البحر الميت قبل تحويل مياهه من قبل إسرائيل وتطوير المصادر الأخرى بلغ حوالي 1,3 مليار متر مكعب سنويا، في حين أن الجريان الحالي لا يتجاوز 0,2 مليار متر مكعب في أفضل السنيين الماطرة".

وتابع: "هذا الوضع أدى إلى هبوط مستمر في سطح البحر الميت وبحوالي المتر سنويا وبمجموع بلغ لغاية تاريخه حوالي 35 م، أي أن سطح البحر الميت قد هبط من حوالي -395 تحت سطح البحر عام 1964 إلى -430 في الوقت الحالي".

​ومضى قائلًا: "هذا يعني أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراء لجلب مياه إضافية فان البحر الميت سيختفي تقريبًا خلال الخمسين سنة القادمة، وسيصبح بحيرة صغيرة جدًا ضحلة ومالحة".

مشروع ناقل البحرين

وعن المحاولات الأردنية السابقة في هذا الإطار، قال الدكتور حازم الناصر، إن "الأردن عمل جادًا خلال السنوات الماضية لتنفيذ ما يسمى بمشروع ناقل البحرين وهو مشروع بيئي ومائي كبير والذي يهدف إلى المحافظة على بيئة البحر الميت من النضوب، وذلك من خلال جلب مياه إضافية من البحر الأحمر".

واستطرد:

"يتكون المشروع من خط ناقل بقطر 2-3 متر ومحطات ضخ بالإضافة إلى محطة لتحلية المياه من خلال الاستفادة من الطاقة المولدة نتيجة فرق الارتفاع ما بين البحر الأحمر والبحر الميت، وبواقع حوالي 430 مترا في فرق الارتفاع تنتج حوالي نصف احتياجات المشروع من الطاقة المتجددة".

وبشأن تأخر المشروع إلى الآن، علق بالقول: "المشروع يتعرض للتأخير بين فترة وأخرى إما لأسباب مالية تمويلية، أو لأسباب سياسية نتيجة للواقع السياسي الصعب في المنطقة، وتبلغ الكلفة الكلية للمرحلة الأولى من المشروع حوالي 1,4 مليار دولار أمريكي، ويعتبر الأردن هذا المشروع مشروعًا استراتيجيًا، ولا بد من تنفيذه تحقيقًا للأهداف سابقة الذكر".

أهمية سياحية عالمية

وبسؤاله عن أهمية البحر الميت، قال: "للبحر الميت أهمية كبيرة بالنسبة للأردن ودول الحوض، فهو يعتبر إرثا تاريخيا عالميا ذو قيمية دينية وبيئية وسياحية واقتصادية، ففي حوض البحر الميت توجد أهم المواقع الدينية والتي تعتبر من أهم الموارد السياحية بالنسبة للأردن؛ مثل موقع المغطس حيث تعمد السيد المسيح عليه السلام، وأضرحة الصحابة أبي عبيدة عامر بن الجراح، وعامر بن أبي وقاص، وشرحبيل بن حسنة، ومقام أبي ذر الغفاري كرمهم الله جميعًا".

امرأة تنظف مواد قابلة لإعادة التدوير من القمامة من أجل لقمة العيش من خلال سحابة من الدخان من القمامة المحترقة وتحيط بها اللقالق التي تتغذى على القمامة في مكب الأحياء الفقيرة في نيروبي بكينيا

وأكمل: "ويعتبر البحر الميت مقصدا للسياحة العربية والأجنبية للاستجمام وكذلك للعلاج من بعض الأمراض الجلدية، والتي تعتبر بالنسبة للأردن موردًا ماليًا هامًا، وتعتبر صناعات البوتاس والمبرومين والمغنيسيا التابعة لشركة البوتاس العربية من أهم موارد الحكومة الأردنية ومن أنجح شركاتها".

أضف إلى ذلك – والكلام لايزال على لسان الناصر- فإن بيئة البحر الميت بيئة فريدة من نوعها محاطة بعدد كبير من التنوع البيئي وبحوض البحر الميت العديد من المحميات الطبيعية مثل محمية الموجب، فالبحر الميت مهم بالنسبة للأردن والمحافظة عليه مصلحة وطنية عليا، وعالمية حيث ولا يوجد بالعالم سوى بحر ميت واحد وهو أخفض وأملح نقطة على سطح الأرض".

استغلال خاطئ

إلياس سلامة خبير وأستاذ علوم المياه في الجامعة الأردنية، قال إن "هبوط في سطح البحر الميت جاء بسبب استخراج الدول المشاطئة التي ترفد مياهها على البحر للمياه، مثل سوريا وإسرائيل والأردن وفلسطين وجزئيا لبنان".

وأضاف في تصريحات لـ "سبوتنيك"، أن "هذه الدول طورت مصادر المياه التي كانت ترفد نهر الأردن والبحر الميت بكميات تعادل 1800 مليون متر مكعب سنويًا، ونتيجة هذا الاستخراج والاستغلال الخاصة بأغراض زراعية ليس منه عوائد بدأ سطح البحر الميت في الجفاق والهبوط في بداية السبعينات من القرن الماضي، واستمر حتى وصلت كميات المياه إلى 200 مليون متر مكعب بعد أن كانت 1800 مليون متر".

​وتابع: "بالطبع غيرت التغيرات المناخية شيئًا ما في المعادلة، إلا أنها لم تكن بدرجة كبيرة، حيث كان السبب الرئيسي ناتج عن استخراج واستغلال لدول التي ترفض مياهها البحر الميت لهذه المياه".

وأكد أن "كلما هبط سطح البحر الميت، هبطت معه أسطح المياه الجوفية المجاورة، ليست المحيطة به فحسب لكن في كافة المنطقة، وهذا له تأثيرات كبيرة، حيث أصبحت كميات التبخر أقل بسبب جفاف في المناطق المحيطة بجانب الجفاف الموجود من البداية".

وعن تأثيرات ذلك، قال أستاذ علوم المياه في الجامعة الأردنية، إن "الأودية التي كانت ترفد البحر الميت مضطرة بحكم الطبيعة إلى تعميق مجاريها للحاق بهذا البحر، أصبح هناك تعرية قوية جدا أدت إلى انهيارات كبيرة على امتداد هذه الأودية، خاصة من جهة البحر الميت الشرقية والغربية، مما أسفر عن كل مشاكل الطرق وشببكات الكهرباء والمياه، كل شيء موجود على جانب البحر الميت تأثر سلبًا بهذا الهبوط".

وبهدف منع تقلص مساحة البحر الميت، وقعت فلسطين والأردن وإسرائيل اتفاقاً عام 2013 لربط البحرين الأحمر والميت عبر قناة مائية، وإقامة مجمع لتحلية المياه شمال مدينة العقبة الأردنية.

وبموجب الاتفاق، ستتم تحلية مياه البحر الأحمر وتوزيعها بين الأردن وإسرائيل وفلسطين، ونقل المياه المالحة في أعقاب عملية التحلية عبر قناة يصل طولها إلى 200 كيلومتر إلى البحر الميت لإنقاذه من الانحسار وانخفاض مستوى المياه فيه.

وتتعهد إسرائيل بموجب الاتفاق بتزويد الأردن أيضا بكميات إضافية (50 مليون متر مكعب) من مياه بحيرة طبريا. لكن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات وطرح العطاءات.

وجاء هذا الاتفاق بعدما صدرت دراسات عن البنك الدولي تشير إلى أن وصل البحرين الميت والأحمر ببعضهما بشكل مباشر، سيؤدي إلى نتائج كارثية وسيغيّر التركيبة الكيميائية والفيزيائية للبحر الميت بسبب خلط مياهه بمياه البحر الأحمر.

سبوتنيك