لا يحتاج حزب الله الى الكثير من الجهد، ولا الى فريق من الاعلاميين والمحللين العسكريين والاستراتجيين، كي يُظهِّروا انتصاره على العدوان في صيف العام 2006، لكن الامر مختلف عند جمهور الاسرائيليين كي يصدِّقوا ان الجيش الذي قُدم لهم على صورة خارقة «لا تُهزم»، انما بُني على خرافة، بعد ان انكسر وتصدع، واحتاج الاسرائيليون «جيشا» من المحللين العسكريين والاستراتيجيين ومراكز الابحاث العسكرية والجيوسياسية ومنتديات عسكرية متخصصة بدراسة الحروب ونتائجها، واحتاجوا اكثر الى «قاضي القضاة» الياهو فينوغراد وتقريره الذي رسم اللوحة الكاملة لهزيمة «دولة الجنرالات».

في الثاني عشر من تموز عام 2006، في النقطة رقم 105، وفق التسمية العسكرية الصهيونية، انطلقت اولى اشارات «النكبة» الاسرائيلية في لبنان، ومن «خلة وردة» الحدودية كانت «الغنيمة» لدى حزب الله دسمة... الداد ريغيف واودي غولدفاسر، كانت كفيلة بتحقيق هزيمة مُدوية داخل المجتمع الصهيوني، حين تكسرت الاغلال في زنازين المئات من الاسرى والمعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين، الاحياء والشهداء، وتكسر معها «الجبروت» الاسرائيلي الذي ما تعود ان يفتح زنزانة اما فدائي فلسطيني او مقاوم لبناني.

عن عمليات الساعة الاولى التي اعقبت عملية اسر الجنديين الاسرائيليين، يقول ضابط صهيوني برتبة رائد شارك فيها...» كنا نتقدم باتجاه بلدة عيتا الشعب، لقد اكتشفنا ان حزب الله اعدَّ خطة محكمة، جعلتنا نقع في شرك الغام، ومن الواضح انه اعدَّ مسرح المعركة، بالشكل الذي يريدها ان تكون، فاعد منطقة مفخخة لمنع مطاردة عناصر حزب الله الذين اسروا الجنديين الاسرائيليين الذين خرجوا بالاسيرين الاسرائيليين من ميدان الحدود... لقد شممت رائحة الانفجار... وهذه الرائحة لن انساها، كمية النيران التي اطلقت علينا لم اكن اتوقعها، تحت نيران حزب الله ركض جنودي هربا... فدخلوا حقل الغام... لقد جاؤوا الينا لسوقنا اسرى... لقد رأيناهم من دون رادار او منظار، واحيانا كنا نرى اشباحا تقترب منا!... شعرنا ان السماء سقطت على رؤوسنا... لماذا يُرسلنا هؤلاء الاغبياء، وهم يعلمون ان حزب الله ينتظرنا، لقد كنا نقوم، بما يعتقد حزب الله اننا سنفعل، كانت مهمتنا انتحارية».

جهوزية المقاومة بدت واضحة منذ الطلقة الاولى للحرب، وكل المتابعين اجمعوا على ان حزب الله يُدرك جيدا ان عملية عسكرية مباشرة بحجم عملية «الوعد الصادق»، لاسر جنود اسرائيليين من خلف الخط الازرق الحدودي، لا يمكن ان تمر من دون رد مباشر وعنيف، وهذا يعني ان حزب الله كان جهَّز كل متطلبات ومستلزمات الحرب التي ارادها ان تكون، وكانت، محطة فاصلة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

وفي اليوم الثالث والثلاثين، اكتمل انهيار آلة العدوان،امام من تمترس في القرى والبلدات الامامية المحاذية للحدود لصد الجحافل الاولى للتوغل الاسرائيلي، وهذا ما سُجل قبل ثلاث عشرة سنة في بلدات تحولت الى ايقونات في المقاومة والاستبسال، بنت جبيل ومُثَلَّثها مع عيترون ـ عيناثا ومارون الراس التي عاشت معارك «من بيت لبيت» وعيتا الشعب العصية على الغزاة والخيام التي احترقت وبقيت تقاوم، وسهلها «مقبرة الدبابات»، والكثير من القرى استعصى دخولها على دبابات «الميركافا» بجيلها الرابع، التي تجرَّعت طعم الهزيمة في وادي الحجير، لتتحوَّل الى توابيت من حديد، ليستفيق العالم على نهاية حرب مُثقلة بمعادلات وتوازنات، مناورة العدو فيها مغامرة غير محسوبة النتائج، وفق ما قال جنرالات اسرائيليون بعد الحرب، وقد كرس امين عام حزب الله تلك المعادلات التي احدثت توازن رعب... «اذا حاصرتم سواحلنا... سنحاصر سواحلكم، واذا ضربتم موانئنا سنضرب موانئكم، ومعادلة مطار بن غوريون مقابل مطار رفيق الحريري، وابنية تل ابيب مقابل ابنية بيروت والضاحية الجنوبية»، وهي معادلة تبقى قائمة، بالرغم من حجم الاستهدافات «الناشطة» على خط الخارج.