نحن نعيش في وطن رائع وجميل، لكنّه لم يقدر أن "يصنعنا" إنما نحن "صنعنا" أنفسنا بالطرق التي لا تليق بنا، لم نتركه يعاملنا بمساواة، إنما حجّمنا أنفسنا من أجل الغير، وأضعفنا ذواتنا لينمو الغير. فما رأيكم مثلاً بالترحيب والتمجيد والتهليل عندما نرى أحداً من أركان السياسة في الدولة مثلاً أو أي شخص صاحب مركز؟ فهل هذا الأمر ضروري ومفروض علينا؟ وهل هم أفضل منا لنعاملهم بهذه الطريقة ونُضعف أنفسنا أمامهم؟

خلال أي حدث يجمع بين أهل السياسة وأهل الوطن، تبدأ الكلمات بالترحيب والتهليل بهؤلاء الأشخاص، ولن نتوقّف فقط عند أهل السياسة، إنما أيضاً من هم "أعلى" مستوى حسب المواطن اللبناني أي أصحاب المقامات الذين وصلوا إلى مراتب عالية في أعمالهم ويملكون المال.

التحية والترحيب من عند الله، وهي أمور طبيعية، لكن عندما تكون معتدلة لا مبالغ فيها، فعندها، أي عند المبالغة فيها، نُضعف مستوانا ونقول لهم "نعم، أنتم الأقوى"... بهذه الطريقة نحطّم الذات "لنروي" الآخر، وبالتالي من الطبيعي جدّاً أن يأتي هؤلاء في المرات الأخرى وفي المناسبات الأخرى "رافعي الرؤوس" لأن المواطن أفهمهم أنهم هم الأفضل والأعلى مستوى.

بهذه الطريقة أيضاً، نساعدهم على تعزيز الإهمال بالنسبة لمختلف المواضيع التي تخصّ المواطن، فلا يكترثون بشيء يخصّ المواطن، لأنهم يعرفون أنهم مهما فعلوا "سيسجد" أمامهم المواطن الغائب عن الواقع وسيُعيد الغلط في كل مرّة.

فهل المراكز والمراتب والمناصب هي التي تعطي الإنسان القيمة؟ وهل بقية الناس الذين لم يصلوا إلى المراتب العالية هم لا يساوون شيئاً وليس لهم قيمة في المجتمع؟

المراكز لا تصنع الإنسان، قيمة الإنسان هي التي تصنعه، وعلينا جميعاً أن نلغي هذا التمييز وهذا "القرف" الذي يمتدّ في مجتمعاتنا، قرف التمييز بين الناس. الفكر هو الأساس وكل ما له علاقة بالمراتب والمراكز هو مجرّد "مهنة" مثل غيرها.