... واخيراً انفرجت بعد اربعين يوما من التأزم والتخبط الذي كاد يضع البلاد على حافة الانهيار.

ثمة اسباب ومعطيات عديدة جعلت الجميع امام الاستحقاق الذي لا مفر منه وهو الحل وارساء اجواء المصالحة بعد حادثة قبرشمون- البساتين وتداعياتها. ولعل ابرز هذه الاسباب الوضع المالي والاقتصادي الذي بات يهدد جديا بعواقب وخيمة عشية تقرير المؤسسات المالية حول تصنيف لبنان المالي والائتماني المنتظر في 23 آب الجاري.

والى جانب ذلك برز الدخول الاميركي المباشر على خط الازمة من خلال البيان الذي صدر عن السفارة في لبنان، والذي اعتبر انه تدخل سافر في الشأن الداخلي اللبناني قد يحمل معه تطورات غير محمودة على الساحة السياسية.

وقد اعتبرت الاوساط الرسمية والسياسية ان هذا الانحدار منذ حادثة قبرشمون اذا ما استمر سيؤدي الى مزيد من المضاعفات ليس على المستويين السياسي والمالي فحسب بل ايضا على الارض وعلى الصعيد الاجتماعي.

والى جانب ذلك ايضا وردت الى كبار المسؤولين تقارير عديدة تشير الى ان لبنان بات اكثر تحت المجهر لدى العديد من الدول الاوروبية المستاءة من تفاقم الازمة وتعطيل الحكومة بدلا من تنشيطها بعد اقرار موازنة 2019.

وبعد ان تحول الجو الايجابي الذي ساد بعد ظهر اول من امس الى تأزم وتوتر، سارع الرئيس بري ليلاً الى الدخول المباشر على خط المساعي مرة اخرى وتكثفت الاتصالات بين الرؤساء الثلاثة ومع الاطراف السياسية المعنية. كما علم ان حزب الله ابدى كل الدعم لتحرك بري المتجدد من اجل الاسراع في انجاز الحل.

وبالفعل نجحت المساعي وتوصلت الاتصالات الى بلورة الحل القديم الجديد الذي طرحه الرئيس بري والمبني على اجواء مصالحة في قصر بعبدا برعاية رئيس الجمهورية بين جنبلاط وارسلان، واستمرار القضاء العسكري في عمله المتعلق بقضية قبرشمون على ان يأخذ مجلس الوزراء في ضوء نتائج عمل القضاء القرار المناسب. وبذلك جرى فصل بين عمل الحكومة ومسار هذه القضية.

وبعد موافقة جنبلاط وارسلان تقرر عقد لقاء «المصارحة والمصالحة» بعد ظهر امس برئاسة الرئيس عون وحضور الرئيسين بري والحريري وجنبلاط وارسلان ودام ما يقارب الساعتين.

وتكتمت اوساط المجتمعين حول تفاصيل ما جرى من مصارحة ونقاش، لكنها قالت ان الاجتماع كان جيداً واتسم بالصراحة والمسؤولية.

ووصف الرئيس بري ما حصل بأنه «إنجاز».

حكاية مبادرة بري المتجددة

وكان الرئيس بري ابلغ زواره مساء أول من امس «ان الاجواء ايجابية لكنها لم تكتمل، وهناك مزيد من الاتصالات». وبعد وقت قصير حضر الوزير علي حسن خليل الى عين التينة واطلعه على نتائج بعض الاتصالات التي انخرط فيها المدير العام اللواء عباس ابراهيم فزار رئيس الحكومة والنائب طلال ارسلان.

وعندما سألت «الديار» الوزير خليل حينذاك عما اذا كانت الاجواء ايجابية وجيدة اكتفى بالقول «لا نستطيع ان نقول ايجابية بانتظار استكمال الاتصالات والمساعي الجارية».

وكانت تركزت هذه الاتصالات بعد زيارة الرئيس الحريري لرئيس الجمهورية عصر اول من امس على عقد جلسة لمجلس الوزراء تبحث في جدول اعمال 2 تموز الماضي، وتجنب اثارة قضية قبرشمون مكتفية بمداخلة قصيرة للرئيس عون حول الموضوع.

وتمحورت الاتصالات حول الاتفاق الخطاب العام لهذه القضية داخل الجلسة وتأمين الاجواء والضمانات التي تحول دون حصول صدام داخل مجلس الوزراء.

ولم تنجح الاتصالات وبقيت مواقف كل من جنبلاط وارسلان سلبية، وبدا ان الاجواء التفاؤلية النسبية التي سادت قد تبددت فقرر الرئيس بري اعادة تشغيل «موتور» مبادرته لتدارك الموقف وكثف اتصالاته التي شملت رئيسي الجمهورية والحكومة وجنبلاط وارسلان ومستعينا بالوزير خليل ايضاً الى جانب التحرك المكوكي للواء ابراهيم، وبقيت هذه الاتصالات حتى ساعة متأخرة من ليل اول من امس وتوجت صباح امس بنجاح مبادرة بري التي تستند الى المحاور الثلاثة التي حددها منذ بداية الازمة وهي الحل السياسي عبر المصالحة، ومتابعة القضاء عمله، بالاضافة الى المحور الأمني الذي تحقق سابقاً من خلال اعادة اجواء الاستقرار الى الجبل ونزع فتيل التوتر والتفجير.

وكان الرئيس بري طرح في زيارته الى قصر بعبدا في 8 تموز الماضي على رئيس الجمهورية رعاية مصالحة تجمع جنبلاط وارسلان وباسيل ايضاً، ثم عمل لاحقاً على جمع جنبلاط وارسلان.

وقبيل الظهر اكتمل المشهد في اتصالات عين التينة وتأكد حصول لقاء المصالحة عند الخامسة عصراً في قصر بعبدا برعاية الرئيس عون وحضور الرئيسين بري والحريري وجنبلاط وارسلان.

الاجتماع المالي

وعلى الصعيد المالي علمت «الديار» من مصادر مطلعة ان تحذيرات من خبراء وهيئات عديدة وردت في الايام القليلة الماضية من ان استمرار الازمة وغياب الحكومة سيؤدي الى تفاقم الوضع المالي عشية تقرير تصنيف لبنان في 23 آب الجاري.

وكان وزير المال علي حسن خليل قال لـ«الديار» رداً على سؤال حول النتائج اذا ما جاء التقرير سلبياً: ستكون هناك تأثيرات سلبية لكن هذا لا يعني الانهيار.

وابلغ خليل، حسب مصادر نيابية، النواب في لقاء الاربعاء: انه اذا ما استمرت الازمة فإن الوضع سيكون صعباً وسيكون هناك مزيد من التداعيات الواجب تداركها.

اما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فحرص على التأكيد ان الليرة مستقرة والوضع النقدي جيد.

وقد اجتمع الحريري مع الوزير خليل وسلامة قبل ان يعقد الاجتماع المالي الموسع برئاسة الرئيس عون في بعبدا في حضور الرئيسين بري والحريري وعدد من الوزراء وحاكم مصرف لبنان ومسؤولين اخرين.

وبعد الاجتماع تلا الرئيس الحريري بياناً اكد فيه ارتياح المجتمعين للتطور الحاصل بتنقية الاجواء السياسية والمصارحة والمصالحة، و«التزامهم الواضح باستمرار الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة والاستقرار الائتماني».

كما اعلن الاتفاق على جملة خطوات منها: اقرار موازنة العام بمواعيدها الدستورية وتطبيق موازنة العام 2019، ووضع خطة تفصيلية للمباشرة بإطلاق المشاريع الاستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة 3،3 مليار دولار، والالتزام بتطبيق خطة الكهرباء، وإقرار جملة من القوانين الاصلاحية، واستكمال خطوات الاصلاح القضائي وتعزيز عمل التفتيش المركزي واجهزة الرقابة.

الرسالة الاميركية

في هذا الوقت لوحظ ان السفيرة الاميركية في بيروت حرصت على متابعة تفاصيل التطورات المتصلة بقضية قبرشمون وموضوع اجتماع الحكومة وزارت لهذه الغاية الرئيس الحريري.

ويأتي ذلك بعد بيان السفارة الذي لاقى استياء شديداً من اطراف سياسية عديدة وفي مقدمهم حزب الله الذي دان هذا التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، معتبراً انه «يشكل اساءة بالغة للدولة ومؤسساتها الدستورية والقضائية».. وان غاية هذا البيان هي إضفاء المزيد من التعقيد على الازمة الراهنة، وهو استكمال للتدخل الاميركي المتواصل في الشؤون اللبنانية».

وقال مصدر وزاري مطلع لـ«الديار» ان بيان السفارة الاميركية ربما في الظاهر يشكل دعماً لجنبلاط، لكنه في الحقيقة يسيء إليه ويضعه في موقف لا يريده.

وكشفت مصادر موثوق بها ان الادارة الاميركية باشرت السعي الى اعادة تجميع اطراف فريق 14 آذار وانها في بيان سفارتها في بيروت ارادت الايحاء بأنها حريصة على الدعم والوقوف الى جانب حلفائها في لبنان، وانها تعمل على عدم الاخلال بالتوازن السياسي في لبنان.

وقال مصدر نيابي بارز في 8 اذار لـ«الديار»: «ان بيان السفارة الاميركية هو رسالة دعم واضح لجنبلاط وانه خط أحمر، وهي موجهة بالدرجة الاولى الى الرئىس عون، ومفادها ان هناك توازناً في البلد لا يجب كسره، وهذا التوازن يفرض عدم المسّ بحلفاء واشنطن في لبنان».

واضاف المصدر «ان هذه الرسالة الاميركية الموجهة الى رئىس الجمهورية قد تنطوي ايضاً على تحذير من انه اذا ما استمر في هذا المسار ستكون هناك اجراءات اميركية اخرى وضغوط على العهد والوزير باسيل».

ورأى ايضا «ان البيان يندرج في اطار محاولات الادارة الاميركية احياء 14 اذار من جديد واعادة زيادة الانقسام السياسي الحادّ في لبنان، وهذا أمر خطر لا يمكن تجاهله او السكوت عنه».

ولم يستبعد مصدر نيابي في التيار الوطني الحر ان يكون بيان السفارة الاميركية في اطار محاولة الضغط على الحكم وعلى التيار. لكنه اضاف ان «تأثيره محدود، ولا يمكن ان يؤثر في المسار القضائي لقضية قبر شمون».

واعتبر المصدر ان الضغط الحقيقي الذي يمارس هو تعطيل عمل الحكومة، وهذا ما عملنا من اجل معالجته منذ اللحظة الاولى.