بمعزل عن أهميّة قضيّة أحداث قبرشمون والبساتين، والتي راوحت على مدى شهر ونصف بين «هبّة باردة وهبّة ساخنة»، قبل أن تسلك طريقها نحو الحلّ التدريجي والتصاعدي خلال الساعات القليلة الماضية، عبر اللقاء الذي عُقد في القصر الجمهوري في بعبدا، بمُشاركة كل من رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، إضافة طبعًا إلى الطرفين المَعنيّين بالقضيّة، أي النائب طلال أرسلان والنائب السابق وليد جنبلاط، عُلم أنّه تُوجد أكثر من قُطبة مخفيّة كانت أسفرت في السابق عن تأجيل الحلّ مرارًا وتكرارًا، وتُعتبر أبعد وأعمق من التفاصيل التقنيّة التي تمّ تداولها في وسائل الإعلام. فما هي المَعلومات بهذا الشأن؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ رئيس «الإشتراكي» الذي كان مُصرًّا على أن يكون رئيس مجلس النواب راعيًا أساسيًّا لأي إجتماع مع رئيس «الديموقراطي»، حرص منذ البداية على تجنّب المُصالحة الإعلامية الفولكلوريّة، لأنّه أراد أن تسبقها ضمانات بعدم التعرّض لأي من مسؤولي «الحزب الإشتراكي»، من رأس الهرم نزولاً، وهو ما كان قد استشعره من خلال المَنحى الذي حاولت بعض القوى السياسيّة دفع التحقيقات في «أحداث الجبل» نحوه - برأيه. وكشفت الأوساط نفسها أنّ النائب السابق جنبلاط طلب من خلال مُوفديه إلى عين التينة، بالحُصول على ضمانة من الرئيس برّي شخصيًا، بأنّ الحلول الخاصة بطيّ صفحة قضيّة قبرشمون والبساتين، لا يجب أن تأتي على حساب «الإشتراكي». وكشفت الأوساط المُطلعة نفسها أنّ جنبلاط طلب أيضًا تحرّك الرئيس برّي نحو «حزب الله» لترتيب لقاء بين «الحزب» و«الإشتراكي» في أقرب فرصة، على أن يصبّ البحث خلاله في خانة إعادة ترتيب أسُس «تنظيم الخلاف» الذي كان قائمًا بين الطرفين، قبل أن تتسبّب جملة من المشاكل المُتراكمة بتعثّره، ومن ثم بتجميده.

ولفتت الأوساط السياسيّة إلى أنّ «الحزب الإشتراكي» أبدى استعداده لمُواصلة النهج الانفتاحي واللين الذي اتبعه خلال السنتين الأخيرتين، بشرط أن لا يكون الحلّ يُخفي فخًّا قضائيًا له. وأضافت أنّه، كما ترك «الإشتراكي» أحد المقاعد فارغًا في عاليه لمصلحة النائب أرسلان خلال إنتخابات العام 2018 النيابية في الوقت الذي كان بإمكان «الإشتراكي» توجيه تصويت مُناصريه للفوز بالمقاعد الدرزيّة كلّها، ولو كلّفه هذا الأمر خسارة أحد المقاعد المسيحيّة الإضافيّة، وكما وافق على أن تكون حصّته في الحُكومة وزيرين بدلاً من ثلاثة، على الرغم من أنّه يُمثّل نحو 75 % من أصوات الدروز، ومن ثم وافق على ألا يكون الوزير الدُرزي الثالث وسطيًا، عندما جرى إختيار المسؤول في «الحزب الديموقراطي اللبناني» صالح الغريب، وزيرًا لشؤون النازحين السُوريّين، من خارج اللائحة التي رفعها جنبلاط إلى رئيس الجمهوريّة، فإنّه مُستعدّ اليوم لمُتابعة هذا النهج اللين في التعاطي، بشرط وقف مُحاولة عزله وإقصائه. وتابعت الأوساط نفسها أنّ «الحزب الإشتراكي» الذي كان قد ترك الخلاف بشأن معمل الإسمنت في عين داره للقضاء، والذي كان عاد وأوضح موقفه من مسألة لبنانية مزارع شبعا، يرغب حاليًا بإعادة ترتيب علاقته مع «حزب الله» من مُختلف النواحي، على قاعدة احترام خُصوصيّة طائفة المُوحّدين الدروز، وعدم نسف التوازنات الميثاقيّة المُتعارف عليها.

وفي ما خصّ «الحزب الديموقراطي اللبناني»، رأت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ النائب أرسلان وافق من جهته على لقاء المُصارحة، بشرط حُصوله مُسبقًا على تعهّد من «التيّار الوطني الحُرّ» بأن تسلك قضيّة أحداث قبرشمون والبساتين مُجرياتها القانونيّة الطبيعيّة حتى النهاية، من دون أي مُراعاة لأي طرف مُتورّط، نظرًا إلى خُطورة ما حدث على السلم الأهلي. وأضافت أنّ «الديموقراطي» كان حريصًا على فصل أي لقاء مُصارحة أو حتى أي لقاء مُصالحة شخصيّة مع جنبلاط، عن السياق القانوني لقضيّة أحداث قبرشمون والبساتين، وهو حظي بدعم كامل من جانب «التيار الوطني الحُرّ» على هذا المُستوى. وأضافت الأوساط أنّ «الديموقراطي» حريص كل الحرص على إستقرار الجبل وعلى وحدة الطائفة، وكذلك على التعايش السلمي بين المسيحيّين والدُروز وبين كل مكوّنات الوطن، لذلك يُصرّ على المُحاكمة، لتطبيق العدالة، ولمنع أيّ كان من التعرّض في المُستقبل لهذه الثوابت بخفّة وبقلّة مسؤوليّة، لأهداف سياسيّة وشخصيّة ضيّقة. وشدّدت الأوساط نفسها على أنّ أولويّة «الديموقراطي» تتركز حاليًا على ضرورة إعتراف «الحزب الإشتراكي» وجنبلاط، بوجود مرجعيّات درزيّة أخرى، لها ثقلها ووزنها وتمثيلها الشعبي، مُشيرة إلى أنّ النائب أرسلان مُصرّ على التصدّي لأي مُحاولة جنبلاطية للتفرّد بالقرارات الدرزيّة، لأنّه يعتبر أنّ هذه المرحلة انتهت إلى غير رجعة، وأنّ «الحزب الديموقراطي اللبناني» فرض نفسه - مع حلفائه، بشكل واضح خلال الإنتخابات النيابية الأخيرة، ومن المُستحيل تجاوزه في أي قرار خاص بالشأن الدُرزي بعد اليوم، من التعيينات الإداريّة وُصولاً إلى الخيارات الإستراتيجيّة الكُبرى.

وختمت الأوساط السياسيّة المُطلعة كلامها بالقول إنّ النائب أرسلان أصرّ على إجراء مُحاكمة جدّية للمُتورّطين في «أحداث الجبل»، وعلى الإعتراف بمرجعيّته السياسيّة ضُمن الطائفة الدرزيّة، بينما أصرّ النائب السابق جنبلاط على الحُصول على ضمانة من الرئيس برّي بموضوعيّة المُحاكمة، وعلى وعد بإعادة تنظيم خلافه مع «الحزب»... وهذه المطالب تتجاوز بأهمّيتها مسار حلّ قضيّة قبرشمون والبساتين الذي انطلق بعد طول تأخير، ليس نتيجة تراجع في المواقف، بل نتيجة تصاعد الضُغوط على لبنان، وخشية المسؤولين كافة من الارتدادات السلبيّة الهائلة في حال استمرار التعطيل!