تصرّ الولايات المتحدة الأميركية على إبقاء النازحين السوريين في لبنان، ولا تُشجّع أي خطوة لعودة هؤلاء الى ديارهم، كما تضغط على الدول الأوروبية والعربية للإصرار على رفض تمويل صندوق العودة بهدف «تجميد» المبادرة الروسية بشأن إعادة النازحين السوريين الى بلادهم، على أن تشمل العودة، وفق المبادرة المذكورة، أكثر من 6 ملايين نازح مقيمين في 45 دولة، من دول الجوار لا سيما في لبنان والأردن وتركيا الى دول عدّة في العالم.

وفي الوقت الذي يعيش فيه لبنان اليوم تعطيلاً في عمل الحكومة منذ حادثة قبرشمون وحتى الساعة مع تمسّك كلّ من الفريقين المتنازعين بموقفه، فإنّ جميع الملفات التي تحتاج الى اجتماع مجلس الوزراء لمناقشتها بشكل جدّي وواضح ولا سيما منها وضع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تبقى «مجمّدة» رغم تداعياتها السلبية على الوضع الإقتصادي الداخلي. فيما تعمل واشنطن بجهد من خلال اللقاءات والإتصالات بهدف «توطين» شعوب الدول المجاورة على الأراضي اللبنانية تنفيذاً لما تسمّيه «صفقة القرن»، ووفقاً لمصالحها ومصالح إسرائيل السياسية.

ومن هنا، فإنّ تجديد حكومة «الى العمل» في بيانها الوزاري ترحيبها بالمبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين الى بلادهم قد توقّف عند حدّ الترحيب، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مواكبة، إذ لم تعمل بالفعل على ما وعدت به أي «على إقرار سياسة الحكومة في اتجاه النازحين». فلم يتسنّ للحكومة إقرار هذه الورقة، ولا مناقشة الخطة المتعلّقة بالنازحين التي وضعها وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، سيما وأنّ وضع مشروع الموازنة العامّة ومناقشته استلزم الكثير من جلساتها الأخيرة التي سبقت التعطيل الذي يستمرّ منذ 30 حزيران الماضي.

غير أنّ ذلك لا يعني «تجميد» المبادرة الروسية بشأن عودة النازحين السوريين الى بلادهم، بل على العكس، فهي مستمرّة، على ما أوضحت المصادر، لا سيما بعد أن قام المعنيون على تحديد أعضاء اللجنة المشتركة التنسيقية اللبنانية- الروسية، وأكّد السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين في حينه، أنّ أعضاءها على اتصال يومي لتسهيل عودة النازحين السوريين الراغبين بذلك. ويمكن القول بأنّ روسيا تستكمل عملها حالياً في إعادة النازحين السوريين بالتعاون مع كلّ من لبنان وسوريا والأردن في انتظار التوافق اللبناني على خطّة شاملة ومفصّلة لإعادة هؤلاء بأعداد كبيرة الى وطنهم.

وصحيح بأنّ هذه المبادرة لم تستطع إعادة مئات الآلاف من النازحين السوريين حتى الآن، ويعتبر البعض أنّها غير فاعلة أو أنّها لم تبدأ عملها بعد، إلاّ أنّ الأوساط نفسها تحدّثت عن استكمالها العمل وفق الإمكانات المتوافرة، وهي لم تتوقّف عنه يوماً منذ إعلان موسكو عن المبادرة وبدء تعيين أعضاء اللجان المشتركة التنسيقية بين روسيا والدول المضيفة للنازحين. وبحسب موقع وزارة الدفاع الروسية فقد تمكّنت هذه المبادرة منذ 18 تمّوز من العام 2018 حتى اليوم من إعادة 332151 نازحاً سورياً من بينهم 107560 نازحاً من لبنان، وذلك بالتنسيق مع المديرية العامّة للأمن العام اللبناني والسلطات السورية، و224591 نازح من الأردن. ووفقاً للمعلومات الإجمالية، فعلى أراضي 45 دولة في العالم، هناك حتى 1 تشرين الأول من العام 2018، 6.637.757 نازحاً سورياً مسجّلاً، نصفهم من الأطفال.

وأفادت أنّ بياناً مشتركاً صادراً عن الهيئتين التنسيقيتين الوزاريتين المشتركتين الروسية والسورية في أواخر تمّوز المنصرم، كشف أنّه «لوحظ موقف بنّاء على نحو متزايد من قبل المجتمع الدولي فيما يتعلّق بانشطة القيادة السورية، وقبل كلّ شيء الأمم المتحدة والبلدان المجاورة أي لبنان والأردن، التي تُشارك بشكل متزايد في العمل مع الحكومة السورية لتهيئة الظروف اللائقة لإعادة السوريين الى ديارهم، ما يُبرهن التدفّق المتزايد والمستمرّ للمواطنين العائدين عبر الحدود السورية ـ الأردنية، والسورية ـ اللبنانية».

واشنطن تُعرقل

في المقابل، شدّدت الأوساط نفسها على أنّ واشنطن لا تسعى الى عرقلة تفعيل المبادرة الروسية من الخارج فقط، أي من خلال إقناع المجتمع الدولي برفض تمويل صندوقها لكي تتعثّر في خطواتها، إنّما تعمل بشكل جدّي على إعاقة هذه العودة من الداخل السوري. فقد تناول البيان المشترك المذكور المشكلات التي تُعيق تحقيق مبادرة عودة النازحين والمهجّرين، ومنها أنّه «لا يزال تأثير الولايات المتحدة مزعزع للإستقرار على الوضع في البلاد والمنطقة ككلّ».

وقال: «نلاحظ مع الأسف أنّه بدلاً من المساعدة في عملية العودة الطوعية والآمنة للمواطنين السوريين الى وطنهم، هناك عدد من أولئك الذين يسيطر عليهم الجانب الأميركي وحلفاءهم غير الحكوميين يقومون بعمل موجّه لاستيعاب السوريين على أراضي الدول المجاورة لسوريا. وفي الواقع يُساهم ذلك في زيادة الضغط الإعلامي عليهم، ومن حيث الجوهر يُساعد على تفاقم أزمة المهجّرين في المنطقة». وتابع البيان: «إنّ الولايات المتحدة وحلفاءها على مرأى الجميع، يكشفون عن الأهداف الحقيقية للدول الغربية، أي خلق حواجز أمام عودة المواطنين السوريين الى وطنهم قبل الإنتخابات الرئاسية الدورية في سوريا وذلك لاستخدامها كمورد إنتخابي لترقية المرشّحين الذين يناسبونهم».

كما لفت البيان الى «انتباه المجتمع الدولي الى أنّ الوضع الإقتصادي في الدول المجاورة لسوريا، والتي أُجبرت على تحمّل التكاليف المالية المستحقّة مع إقامة اللاجئين، يستمرّ في التدهور. ويُشكّل وجود ملايين اللاجئين السوريين على أراضيهم عبئاً ثقيلاً في المجال الإجتماعي». وأشار البيان المشترك الذي حاول فضح الممارسات الأميركية علّ المجتمع الدولي يتحرّك ويتخذ قراراً حاسماً بشأن عودة النازحين السوريين الى بلادهم، في الدورة الـ 74 للجمعية العامّة للأمم المتحدة التي ستُعقد في شهر أيلول المقبل في نيويورك، الى أنّ «ما يُثير القلق هو تسليط وسائل الإعلام والصحفيين الأميركيين الضوء، من جانب واحد على الوضع في مخيم الركبان، ويبرّرون الوضع المأساوي للمهجّرين الداخليين بسياسة «التجويع الممنهجة» من قبل السلطات السورية، التي على حدّ زعمهم، تُعرقل تنظيم القوافل الإنسانية التالية للأمم المتحدة. وتشير المواد التي وزّعتها وسائل الإعلام الأميركية الى أنّ الناس لا يرغبون في مغادرة «معسكر الموت»، لأنّه تنتظرهم «معاناة شديدة» ولا سيما الإعتقال والتعذيب في معتقلات أجهزة الأمن السورية، والسَوق الإجباري للخدمة في الجيش أي التجنيد.. في الوقت نفسه، يتمّ عن عمد، تجاهل حقيقة أنّ الغالبية العظمى من سكّان الركبان قد أعربوا عن رغبتهم في العودة الى الأراضي التي تُسيطر عليها الحكومة الشرعية، وفقاً لاستطلاع الرأي الذي أجراه موظّفو وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة.. كما عن تقييمهم الإيجابي للظروف التي هيّأتها السلطات السورية للعائدين».

وذكر البيان أيضاً الوضع الأكثر سوءاً في مخيّم الهول، الذي يقع أيضاً على الأراضي التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية في محافظة الحسكة، حيث يعيش أكثر من 71 ألف شخص في ظروف صعبة مع نقص حاد في مياه الشرب والغذاء والسلع الأساسية والأدوية والمعدّات الطبية وما الى ذلك.. مشيراً الى أنّ ذلك يعود للقيود المفروضة عليهم من قبل إدارة المخيّم بدعم من الولايات المتحدة، وعدم إحراز أي تقدّم في حلّ قضايا جمع شمل الأسر والعودة الى أماكن الإقامة الدائمة.

أضاف أنّه «إذا لم يكن هناك في الوقت الحالي من توحيد للجهود المبذولة لتهئية ظروف لائقة للعودة الجماعية للاجئين السوريين الى وطنهم، فمن المرجّح أن يُغادروا الدول المجاورة لسوريا، وسيتمّ إرسالهم عبر البحر الأابيض المتوسّط الى دول أخرى وفي المقام الأول، الدول الأوروبية، الأمر الذي ينطوي على تعقيد الوضع الإجتماعي والإقتصادي في أوروبا بالفعل». وأكّد أن «الحكومة السورية بمساعدة الجانب الروسي تواصل بذل كلّ ما في وسعها لإقامة حياة سلمية في سوريا، واستعادة البنى التحتية والمرافقة الإجتماعية في البلاد، وتعزيز عملية العودة الى الأماكن الدائمة».

ورأت الأوساط نفسها بأنّ هذا الأمر يُشجّع النازحين على العودة سيما وأنّهم باتوا يطمحون الى استعادة حياتهم الطبيعية في المناطق الأصلية التي فرّوا منها بفعل المعارك الدامية. فضلاً عن الأخبار التي تصلهم عن فرحة العائدين الى سوريا والذين بلغ عددهم حتى الآن أكثر من 1.864.715 نازحاً سورياً الى ديارهم، منهم أكثر من مليون و303 آلاف و284 شخصاً من النازحين داخلياً، و561 ألف و431 نازحاً سورياً من دول الخارج.