بات من الصعب إعادة المياه الى مجاريها بين القوى المتصارعة على دماء ضحايا حادثة قبرشمون، وانقسامهم الى معسكرين متناحرين، الأول يريد عدالة تمرّ تحت محراب المجلس العدلي، وآخر يريدها عدالة المحاكم العادية التي تنظر في الجرائم الجنائية، وتبتعد عن إضفاء الصبغة السياسية على هذا الحادث، ما حوّل أزمة أهل السلطة الى أزمة حكم، وضعت البلاد على شفير الانهيار وباتت تحتاج الى معجزة للخروج منها.

الالتباس الذي ساد التحقيقات الأولية في حادثة قبرشمون والإجراءات القضائية، زاد الطين بلّة، ووسّع هوّة الانقسام بين المعسكرين المتصارعين، الأول يقوده الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة النائب السابق وليد جنبلاط، ومن خلفه حليفيه تيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية»، أما الثاني فيقوده رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان، مدعوماً من التيار الوطني الحرّ و«حزب الله»، فيما يسعى رئيس مجلس النواب نبيه برّي للعب دور المصلح وبيضة القبّان، ويقف في مربّع الوسط ليحول دون غلبة فريق على آخر، محاولاً جمع المحورين على قاسم مشترك، وإقناع كلّ منهما بخفض سقف شروطه.

وفيما كان المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، يعمل على تسويق مبادرة جديدة، بدأت تسلك طريقها لتذويب الجليد المتراكم في طريق الحلّ، وتقوم على رعاية الرئيس بري لقاءً يجمع جنبلاط وارسلان في عين التينة، جاء الكلام المنقول عن رئيس الجمهورية ميشال عون، والذي أعلن فيه أن حادثة قبرشمون كانت عبارة عن كمين مسلّح ومدبّر ومعدّ مسبقاً لاغتيال الوزير جبران باسيل، لينقل الأزمة من مكان الى آخر، ويحولها من أزمة درزية ـ درزية، إلى أزمة درزية - مسيحية، ومعركة مفتوحة بين الحزب الاشتراكي والتيار الوطني الحرّ ومن خلفه الرئيس عون.

بات واضحاً أن التصعيد الجنبلاطي لن يتوقف عند الكلام العالي السقف الذي أطلقه وزير الصناعة وائل أبو فاعور في مؤتمره الصحافي يوم الثلاثاء، بل ذاهب الى صدام سياسي حقيقي، حيث أكدت مصادر مقربة من الحزب التقدمي الاشتراكي، أن «الرئيس ميشال عون بات جزءاً من المواجهة، وجزءاً من الأزمة، بعدما تحوّل إلى طرف وخصم فيها، جراء تبنيه اتهام الحزب الاشتراكي بالتخطيط لاغتيال صهره جبران باسيل». وشددت على أن «المواجهة ستأخذ مداها في الأيام المقبلة، بعدما ثبت بالدليل القاطع، أن هناك مخططاً لاستهداف وليد جنبلاط شخصياً، عبر تركيب ملفات أمنية وقضائية، مشيرة الى أن «عهد عون أصيب بالصميم». ورأت أن «تدخّل القصر الجمهوري عبر وزراء البلاط مع القضاء العسكري للتلاعب في وقائع حادثة الحبل وتغيير وجهتها، وفرض ترتيب اتهامات خطيرة الى عناصر الحزب التقدمي الاشتراكي، ليس مقبولاً وله أثمانه»، مستغربة حالة «التمييز في الاتهامات، حيث وجهت الى مناصري الاشتراكي جرائم إرهابية والتورط بالقتل العمدي وإثارة النعرات الطائفية والحض على الاقتتال بين اللبنانيين، والاكتفاء باتهام مرافقي الوزير صالح الغريب بإطلاق النار في الهواء، علماً أن موكب الغريب هو من بدأ إطلاق النار وعملية الاشتباك»، وحذرت المصادر المقربة من الاشتراكي من «الاستمرار في هذا النهج الذي يعيد التشنج على الأرض، جراء الكيل بمكيالين ومعاملة المتهمين بين ابن ستّ وابن جارية».

الهجوم الاشتراكي الذي استهدف رئيس الجمهورية وفريقه الوزاري، لم يقابل بنفس التصعيد، لكنّ مصادر مطلعة على أجواء قصر بعبدا، أشارت الى أن «الاتهامات والافتراءات التي طالت الرئيس عون، لن تغيّر شيئاً في قناعته، لجهة دعم القضاء وابعاده عن التجاذبات السياسية لينجز تحقيقاته بحيادية تامة وأن ينطق بالحق دون أي تأثير سياسي». وأوضحت أن ما قاله الرئيس عن محاولة استهداف موكب الوزير باسيل «يستند الى ما تلقاه من تقارير وتسجيلات عن التحقيقات التي أجرتها شعبة المعلومات، ولم يكن اتهاماً سياسياً، ويبقى للقضاء أن يفصل في صحّة هذه الأدلة والتسجيلات من عدمها»، داعية الى «وقف الحملات وترك القضاء يقوم بواجباته». وإذ رفضت المصادر تصوير الأمر على أنه معركة سياسية لإحالة الملف على المجلس العدلي وكسر وليد جنبلاط، دعت المصادر الى «الذهاب الى مجلس الوزراء وأن يخضع الجميع الى القرار الذي تصوّت عليه الأكثرية داخل الحكومة، سواء بإحالة القضية على المجلس العدلي أو إبقاء الملف في عهدة القضاء العسكري».

وإزاء التباعد في الرؤى حيال ما يجري، وفشل كلّ المبادرات التي تشلّ الحكومة، وتهدد بتطييرها، تقف البلاد على شفير الانهيار الاقتصادي والمالي، وخسارة كلّ المكتسبات التي يراهن عليها اللبنانيون من مؤتمر «سيدر»، وأكدت مصادر متابعة لمسار الأزمة أن «التلاعب بالاستقرار السياسي، سيجعل الوعود الدولية في خبر كان»، متوقعة أن «تقود هذه الأزمة إلى تخفيض تصنيف لبنان الائتماني، وربما تذهب أكثر الى حدّ الإطاحة بالحكومة، إذا فرضت على الحريري خيارات لا يتحمّل تبعاتها».