باستثناء الحراك المعوّل عليه من جانب الرئيس نبيه بري لاخراج البلاد من الازمة الناتجة عن حادثة قبرشمون وتداعياتها، تبدو الافق مسدودة، امام المساعي والاتصالات بعد بلوغ عملية تصعيد المواقف والشروط والشروط المضادة مرحلة غير مسبوقة حتى بات فريقا الازمة المعنيين بحاجة الى من ينزلهم عن «الشجرة» التي اقحموا انفسهم بالصعود عليها.

وفي معطيات لمصادر قريبة من حركة الاتصالات انه رغم وجود بعض الافكار التي يتم طرحها على الازمة خاصة من جانب الرئيس نبيه بري، وفي الاساس منها امكان اجراء مصالحة برعاية رئيس المجلس في عين التينة تجمع كل من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال ارسلان، الا ان هذه المحاولة تواجهها مجموعة واسعة من التعقيدات لها علاقة بطبيعة المخرج الممكن لتداعيات حادثة الجبل والمسار القضائي لها، فانجاح المصالحة بين الرجلين تفترض على الاقل وجود مقاربات حول الخيارات المحتملة لانهاء الازمة اولها، اقرار الطرفين بتسليم المطلوبين للقضاء، وثانيها عدم تمترس اي من الطرفين امام شروط معينة لها علاقة بالمسار القضائي، في وقت حصر الحزبان الاشتراكي الديموقراطي نفسيهما امام سقوف سياسية بما خص المسار القضائي للقضية بات من الصعب تراجع اي منهما عما حصل وكل من الطرفين يرى ان تراجعه عن هذا السقف هو «انكسار» له وللحالة التي يمثلها.

بل ان سقف التحدي وصل الى ما يشبه ازمة سياسية مستعصية ومعها ازمة حكومة وازمة ثقة، جرى التعبير عنها في كل ما شهدته البلاد مؤخرا من شحن سياسي وطائفي وبداية لانقسام عمودي كما كان حاصل بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وابرز تجليات هذا الواقع بحسب المصادر - التالي:

1- ان جنبلاط وقيادة الحزب الاشتراكي تجاوزا في السقوف السياسية والقضائية، مسألة التحقيق في حادثة قبرشمون الى اعتبار ان الفريق السياسي الحليف للنائب ارسلان يسعى من وراء الاصرار على تحويل الحادثة الى المجلس العدلي، وحتى مسار التحقيق القائم في المحكمة العسكرية اليوم، عليها تستهدف جنبلاط شخصيا، ومعه قياديين اخرين في الحزب الاشتراكي بدءاً من الوزير اكرم شهيب من خلال ما يطلعه هؤلاء من اتهامات بتسيس القضاء وممارسة الضغوط عليه حتى من جانب المقربين من الرئيس ميشال عون وما اعلنه الوزير وائل ابو فاعور في المؤتمر الصحافي لقيادة الحزب التقدمي الاشتراكي يظهر مدى «الهوة» العميقة التي بلغتها مواقف الاطراف السياسية، بغض النظر عن طبيعة ما اعلنه ابو فاعور من معطيات بحسب معلومات الحزب الاشتراكي - عن تدخلات وضغوط على القضاة في المحكمة العسكرية، ولذلك تقول المصادر انه في ضوء الموقف الذي عبر عنه ابو فاعور باسم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وقيادة الحزب حول ما يحصل من تدخلات وضغوطات، وفق ابو فاعور في القضاء لم يعد ممكنا اقرار الحزب الاشتراكي بما ينجزه التحقيق في القضاء العسكري او ابقاء التحقيقات في مسارها الحالي، ما يعني ان بداية الخروج من هذه الازمة تفترض مساراً قضائياً اخر، وهو ما يعني ان «الكرة» اصبحت في ملعب فريق الحكم لتغيير هذا المسار - وفق ما يستنتج مما اعلنه الوزير الاشتراكي وقبله مفوض العدل في الحزب.

2- اصرار النائب ارسلان بان تكون كل المسارات القضائية توصل الى تحويل القضية للمجلس العدلي من خلال التمسك بان يكون ما حصل في قبرشمون بندا اول في اول جلسة لمجلس الوزراء وصولاً للتصويت على هذا الشرط، وتبنى هذا الامر التيار الوطني الحرّ.

3- عدم اقتصار الصراع على طرفي الازمة بل ان التعاطي مع تداعيات المسألة، ومسارها القضائي والدعوة لعقد جلسة لمجلس الوزراء افضى الى حصول انقسام عمودي بين القوى السياسية المشاركة في الحكومة، فالتيار الوطني الحر وحزب الله مع ما يقرره ارسلان حول المسار القضائي للمشكلة وحتى الرئيس عون ليس بعيداً عن هذا التوجه، خصوصا بعد الخلاف بينه والرئيس سعد الحريري حول طلب رئيس الجمهورية دعوة الحريري لعقد جلسة مجلس الوزراء ما يعني طرح حادثة قبرشمون على طاولة البحث، فيما يرفض الحريري ورئيس حزب القوات سمير جعجع مثل هذا التوجه. وهما يقفان خلف ما يقرره جنبلاط، بل يتبنيان مخاوف زعيم المختارة من تحويل المسار القضائي الى مناسبة للانتقام من جنبلاط ودوره السياسي.

اضافة الى كل ذلك، تلاحظ المصادر ان تفاقم الازمة بات يهدد بسقوط التفاهم الرئاسي وتحديداً بين الرئيسين عون والحريري، في ضوء السجال غير المباشر الدائر بين بعبدا و«بيت الوسط»، على خلفية الدعوة لانعقاد مجلس الوزراء.

لهذا تشير المصادر انه، ولو ان كل الاطراف المنخرطة في الصراع مصلحتها بتجاوز هذه الازمة وعودة مجلس الوزراء الى جلساته العادية حتى يتم البدء بها هو مفترض من معالجات لكمية الملفات الضخمة التي تواجهها البلاد، الا ان مشكلة كل هذه الاطراف يبقى في قدرتها بالنزول عن الشجرة توصلا الى مقاربات ترضي جميع الاطراف ليس فقط لحادثة قبرشمون وتداعياتها، بل ايضا على المستوى السياسي وما بلغته الامور من اتهامات متبادلة لها الطابع السياسي والوجودي، وهو الامر الذي يحتاج الى تنازلات متبادلة وكل هذه المعضلة تنتظر ما سيقوم به الرئيس بري من محاولات ومساع تقضي لخروج الوضع من «عنق الزجاجة » وحتى اليوم لا مؤشرات بذلك؟