الوكالات الدولية للتصنيف لاحظت مدى التدني (والتردي) المالي في لبنان. ماذا لو كانت هناك وكالات دولية للتصنيف السياسي والأخلاقي؟

حتماً، ضيوف شرف على الأدغال، والا هل كان يمكن أن نجثو أمام ذلك النوع من الآلهة؟ هذا النوع الذي قد لا نعثر عليه في أكثر الميتولوجيات هولاً...

غالباً ما نلجأ الى التعبير الفرنسي «الشيطان في التفاصيل». حدقوا جيداً في المشهد. الشيطان تموضع، نهائياً، في رؤوسنا، وفي رؤوس أولياء أمرنا. رجاء لا تتوقفوا عند ظاهرة «المؤمنين» الذين يتكدسون بالآلاف المؤلفة في المساجد...

نفهم أن تكون هناك تسوية من أجل اقامة دولة. غالبية الدول نتاج الحروب الكبرى أو التسويات الكبرى. ونفهم أن تكون هناك تسوية حول تشكيل الحكومة ما دمنا قد وضعنا أكتافنا، حيناً بتصرف الأباطرة، وحيناً بتصرف القناصل. لا تنسوا شيوخ القبائل الذين لم يعودوا يشتروننا حتى بثلاثين فضة. قيل فينا... قبائل من تنك!

ولكن كيف لنا ان نفهم أن تعيين رئيس لمخفر الدرك في قرية نائية يحتاج الى تسوية سياسية. كذلك تعيين مأموري الأحراج، وعمال جرف الثلوج. ليقولوا لنا في أي بلد في العالم تخضع خطط الكهرباء لتسويات «تاريخية»، تحت جنح الظلام، بين أركان الدولة؟

النبأ الوحيد الذي جعلنا نتفاءل بمستقبل البلد أن رئيس الحكومة سعد الحريري ذهب الى أوروبا للاحتفال بعيد زواجه. كل زواج آخر (أو كل زواج سياسي) هو زواج بالاكراه.

ثمة رئيس حكومة سابق ويسأل حتى أمام بواب العمارة التي يسكن فيها «لماذا ينبطح الشيخ سعد هكذا على بلاط القصر؟». ربما يفترض أن يكون الانبطاح أمام بلاط آخر، وعلى باب قصر آخر. مسكين رئيس الحكومة حين لا يجد أمامه سوى التعامل مع الأزمات برؤوس الأصابع!

ارحموا سعد الحريري قليلاً. انه في مهب الاحتمالات. المواقف النارية لأحمد الحريري تراجعت. هو الذي يعلم أن القاعدة الشعبية، لكل ملوك الطوائف، في حالة من الضياع، ان لم تكن في حالة من التصدع. الجمهورية في حالة من الضياع ان لم تكن في حالة من التصدع.

أي نوع من السياسيين، بل اي نوع من مصاصي الدماء الذين يقولون باعادة احياء ذلك الاصطفاف الجهنمي (8 و14 أذار)؟ المهم أن يكون هناك قايين وهابيل. هذه هي مواصفات الجمهورية القتيلة. استطراداً، نحن قتلى الجمهورية القتيلة.

نعلم ان هناك بين اهل السياسة عندنا (دونكيشوت اللبناني يقاتل الطواحين بسكاكين المطبخ)، من يراهن على العبور الأمبراطوري لصفقة القرن. دويلات، كانتونات، غيتوات وكهوف. روبرت ساتلوف، الباحث الأميركي البارز، قال «ذلك الشرق الأوسط الذي سيكون على شاكلة الجحيم». أكثر سؤاً بكثير من أن يكون... ديزني لاند.

الناس حطام، الاسواق حطام. الرئيس الحريري، على فراش من حرير، ينتظر أن ينجلي غبار داحس والغبراء. أي قصة، أي مشكلة، تفترض أن توضع الحكومة، بل أن توضع الجمهورية، في الثلاجة؟ اللبنانيون بحاجة الى نقطة ضوء، ولو من ثقب الأوزون.

كل كلام لم يعد مجدياً في حضرة الديناصورات. الذين يرقصون الفالس فوق ما تبقى من جثثنا. لو لم نكن قصاصات بشرية، هل كنا نقفل أفواهنا ونقفل ادمغتنا، بالشمع الأحمر، أمام ألذين احترفوا أن يقتلوا الانسان فينا لنغدو مجرد ألواح خشبية ناطقة، والذين احترفوا أن يقتلوا الزمن فينا لنغدو قطعاً أثرية؟ قطعاً متناثرة من الخزف.

لا حل عندهم سوى بالعودة الى الاصطفاف القاتل. هكذا يتم تسهيل مهمة الذين يتولون تشغيلنا في الاقليم، أو عبر البحار. الآن، مبعثرون على رقعة الشطرنج. نربك الذين اعتادوا على تحريك الخيوط بأصابع اقدامهم.

كونراد اديناور استشاط غيظاً حين وصف توماس مان، الكاتب الألماني الحائز جائزة نوبل، برلين بـ«المقبرة». قال «... بل من هنا تبدأ الحياة». عندنا، ونرددها بصوت عال، ...«بل من هنا يبدأ الموت» لأننا الدمى السياسية، والدمى الطائفية، والدمى المذهبية، في يد تلك الطبقة السياسية التي فقدت، حتى في نظر السفراء الأجانب، الحد الأدنى من الصدقية في الرؤية (وفي الرؤيا).

هؤلاء لم يعودوا سوى حفاري القبور. الذي يطمئنوننا اليوم الى أننا لسنا على شفير الانهيار، انما يبيعون عظامنا، وهو ما تبقى من ذلك اللبنان، في سوق النخاسة.

الطائفية تقتل الجمهورية. من وضع المادة 95 من الدستور كان يعلم أن البلاد تقف على قرن ثور هائج. الحل بالغاء الطائفية السياسية. الذي حدث أن نجوم الجمهورية عادوا القهقرى بنا: المذهبية السياسية.

هكذا انزلقنا الى قعر الزجاجة ما دام العالم العربي (العالم الافتراضي البشع) قد تحول الى مستنقع للغرائز، وما دام العالم الاسلامي (العالم السوبرافتراضي والسوبربشع) قد تحول الى معسكر للنفاق والشقاق.

انهم يتحدثون من المريخ عن وحدة المسلمين. على الأرض عيدان للأضحى. طريقتان للضوء. الضوء الذي لم يعد بالماء بل بالدم. أكثر من مرة قلنا الديانة السنية، ولها قرآنها، ونبيها، وحتى الهها، وطقوسها، والديانة الشيعية، ولها قرآنها، ونبيها، وحتى الهها وطقوسها. هكذا أفتى العلماء الأجلاء...

السيد المسيح لم يقل للمسيحيين (المسيحيين اللبنانيين بوجه خاص) «اطعنوا ظهور بعضكم البعض». النبي محمد لم يقل للمسلمين (مسلمي لبنان بوجه خاص) «اقطعوا رؤوس بعضكم البعض». هذا الذي يحصل: اللامسيحيون واللامسلمون على الأرض اللبنانية.

الشهر الأخير أظهر كم أن القبائل اللبنانية باتت أكواماً من الحطب. لا أحد يصرخ في وجه أولئك الذين يتراشقون بالوثائق المبرمجة التي، ان كشفت، تزيد في ضبابية، وفي فوضوية، المشهد.

اعتدنا على تلك اللعبة الساذجة، والسمجة (هم السذّج) لا نحن. يهددون بالوثائق، وبالفضائح. فجأة تمتلئ أفواههم بالحجارة. ليتنا نتقن حتى حمل الحجارة. أن تكون في لبنان... انتفاضة الحجارة!!