تسبّبت أزمة أحداث قبرشمون والبساتين التي لم تنته فُصولاً بعد، بأزمة أخرى لا تقلّ خُطورة، حيث عاد خلاف الصلاحيّات بين كلّ من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحُكومة سعد الحريري ليُطلّ برأسه من جديد، ولو بشكل غير مُباشر وشبه صامت، بعد أن كان التعامل بين الاثنين جيدًا خلال الأشهر القليلة الماضية. فما الذي حدث؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ حديث المصادر المحيطة برئيس الجمهوريّة عن طلب هذا الأخير من رئيس الحكومة عقد جلسة لمجلس الوزراء في أسرع وقت، جاء في سياق الضغوط التي تُمارس على الرئيس الحريري لوقف حماية رئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط، من خلال تأخير عودة الحُكومة للإجتماع، إلى حين التوصّل إلى تسوية لأحداث «الجبل»، حيث يعتبر الرئيس عون أنّه من الضروري عودة الحكومة إلى الإجتماع فورًا، وأن يتم على طاولتها بحث المواضيع الخلافيّة بكل شفافيّة وصراحة. وأشارت الاوساط، إلى أنّ هذا الأمر أثار امتعاضًا كبيرًا لدى أوساط رئيس الحكومة، لأنّه لا يريد أن تتسبّب أي جلسة للمجلس في ظلّ الخلافات المُستحكمة حاليًا، بتفجير الحُكومة من الداخل، ولأنّه استاء من تسريب المُقرّبين من رئيس البلاد مضمون الإتصال الذي دار بينهما، على غير ما جاء فيه، بحيث صارت أي دعوة من جانب الحريري لعقد جلسة للحكومة سريعًا، وكأنّها رُضوخ لمطلب العماد عون، علمًا أنّ الحريري يجهد للردّ على مُنتقديه القريبين منهم قبل البعيدين، بشأن التخلّي عن صلاحيّات رئاسة الحكومة!

وأضافت الأوساط نفسها أنّه من هذا المنطلق، تولّى عدد من المُقرّبين من رئيس الحكومة التذكير بأنّ الدُستور اللبناني ينصّ في المادة 64 البند السادس، وفي سياق تعداد صلاحيّات رئيس الحكومة، على أنه: «يدعو مجلس الوزراء إلى الإنعقاد ويضع جدول أعماله، ويطلع رئيس الجمهوريّة مُسبقًا على المواضيع التي يتضمّنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستُبحث». وتابعت الأوساط أنّ معركة الصلاحيات الصامتة توالت مع ردّ أوساط الرئيس عون بأن طلبه عقد جلسة للحكومة يندرج في سياق تنفيذ البند رقم 12 من المادة 53 والتي جاء فيها في سياق تعداد صلاحيّات رئيس الجمهورية: «يدعو مجلس الوزراء إستثنائيًا كلّما رأى ذلك ضروريًا بالإتفاق مع رئيس الحكومة»، الأمر الذي استدعى ردًا جديدًا من أوساط رئيس الحكومة عبر التذكير بعبارة «بالإتفاق مع رئيس الحكومة»، بحيث لا يُمكن لرئيس الجمهوريّة دعوة الحكومة للإنعقاد بدون موافقة رئيس الحكومة. وأضافت الأوساط السياسيّة أنّ امتعاض الحريري هو من الإصرار على إدراج بند أحداث قبرشمون والبساتين في جدول أعمال أوّل جلسة للحكومة، من خارج إرادة رئيس الحُكومة الذي له وحده حق تحديد بنود جدول الأعمال، ولو أنه لا يُمكنه القيام بذلك من دون إطلاع رئيس الجمهورية مُسبقًا على البنود التي ستُبحث خلال أي جلسة، ناهيك بقُدرة الرئيس على طرح مواضيع من خارج جدول الأعمال.

وأكّدت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ رئيس الحكومة لا يخشى أن يصبّ التصويت - في حال قيامه بدعوة مجلس الوزراء إلى الإنعقاد من دون تسوية ملف «أحداث الجبل» قبل ذلك، في غير مصلحته. وأوضحت أنّ البند الخامس من المادة 65 واضح لجهة تحديده أنّ مجلس الوزراء «يتخذ قراراته توافقيًا. فإذا تعذّر ذلك، فبالتصويت، ويتخذ قراراته بأكثريّة الحُضور. أمّا المواضيع الأساسيّة فإنها تحتاج إلى مُوافقة ثلثي عدد أعضاء الحُكومة المُحدد في مرسوم تشكيلها». وأضافت أنّ حُضور كلّ الوزراء، من شأنه تقسيم الأصوات في ما خصّ إحالة ملفّ أحداث «الجبل» إلى المجلس العدلي، مُناصفة بين مؤيّد من جهة، ومُعترض بتحفّظ من جهة أخرى، وبالتالي الخشية من تفجّر الخلاف على طاولة المجلس وليس على نتيجة التصويت التي هي أقرب إلى التعادل مع قرار وزراء «حركة أمل» عدم الانضمام إلى الراغبين بالإحالة إلى المجلس العدلي. وأضافت أنّ رئيس الحكومة مُصرّ أساسًا على منع وُصول الأمور إلى مرحلة طرح موضوع من خارج جدول الأعمال، والتصويت عليه رغمًا عنه، وهو قادر على رفع الجلسة في أي وقت، وهذا «السيناريو» هو الذي يُحاول الحريري تجنّبه تابعت الأوساط نفسها، خشية انفجار الحكومة من الداخل، أو توالي الإستقالات منها، وسُقوطها، وليس خوفًا من نتيجة أي تصويت.

وختمت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّه على الرغم من الوضع الإقتصادي الضاغط، وعلى الرغم من أنّ لبنان ينتظر بقلق ما سيصدر عن مؤسّسة «ستاندر أند بورز» في الثالث والعشرين من آب الحالي، حيث أنّ من شأن أيّ خفض للتصنيف المالي للبنان أن يترك آثارًا سلبيّة إضافيّة على الوضعين الإقتصادي والمالي، لا يزال رئيس الحكومة حتى هذه اللحظة يأمل التوصّل إلى تسوية ما تسبق إنعقاد أي جلسة، حتى لا يقع لبنان في أزمة أكبر وأخطر من تلك التي يُعاني منها حاليًا، في حال تفجّر الحُكومة من الداخل. وكشفت الاوساط، أنّ بعض المسؤولين اللبنانيّين يُحاولون تأجيل التقييم المالي الدَولي للبنان لفترة زمنيّة قصيرة، على أمل أن تكون الأزمة السياسيّة الحالية قد وجدت طريقها نحو الحلّ، عبر الجُهود المبذولة حاليًا، والتي لرئيس مجلس النواب نبيه برّي دوراً أكبر فيها هذه المرّة.