بعد عمليتي إطلاق نار جماعيتين في نهاية هذا الأسبوع، والتي خلفت أكثر من 30 قتيلاً في الولايات المتحدة، نشر عالم الفيزياء الفلكية والمتّصل بالعلوم، نيل دي غرايس تايسون، تغريدة حول سلسلة من الأرقام المتعلقة بالوفيات على مستوى البلاد.

كتب نيل دي غرايس تايسون "وسطياً...خلال أية 48 ساعة، نحن نخسر أيضاً 500 شخص نتيجة الأخطاء الطبية، و300 شخص بسبب الإنفلونزا، و250 شخصا بسبب الانتحار، و200 شخص بسبب حوادث السيارات، و40 بسبب القتل بمسدس". وأضاف "غالباً ما تستجيب عواطفنا للمشاهد أكثر من البيانات.

وذكر موقع "ساينس أليرت" أنه على الرغم من مسارعة الكثيرين إلى وصف مقارنة تايسون بأنها غير حساسة، لكن المتخصصين في مجال الصحة والمتصلين بالعلوم أظهروا بيانات فعليّة، حيث كشف تقرير معهد الطب لعام 1999 أن 98 ألف شخص يموتون في المستشفيات الأمريكية كل عام بسبب أخطاء طبية يمكن الوقاية منها.


وفي غضون عام شكّك متخصصون آخرون في مجال الصحة بالفكرة رسمياً، بادئين بجدل استمر عقدين من الزمن، حيث أشار الباحثون في جامعة إنديانا إلى أن العديد من هؤلاء الأشخاص البالغ عددهم 98 ألف كانوا مرضى للغاية بحيث لا يمكن مقارنتهم بعامة الناس، وعلاوة على ذلك فإن تقرير معهد الطب عام 1999 لم يحسب المعّدل الأساسي للوفيات دون أخطاء طبية والذي تبيّن أنه مماثل تماماً لمعدل الوفيات بسبب الأخطاء الطبية، وفقاً لصحيفة "ساينس أليرت".

وعلى الرغم من أنظمة الإبلاغ عن سلامة المرضى التي ضاعفت الرعاية الصحية، إلا أن معدل الأخطاء لم ينخفض، حيث كشفت مراجعة لجون هوبكنز عام 2016 رقماً كبيراً لا يمكن تخيّله، بالنظر إلى الدراسات المنشورة منذ تقرير معهد الطب لعام 1999، والتي استند العديد منها إلى مطالبات التأمين، وخلص هؤلاء الباحثون إلى أن 251.454 مريضاً توفيوا في المستشفى بسبب أخطاء طبية كل عام، وإن كان ذلك صحيحاً، فهذا يعني أن الأخطاء الطبية تسبب أكثر من نصف الوفيات في المستشفيات في الولايات المتحدة سنوياً، حسب المصدر.

وبعد فترة وجيزة من نشر مراجعة هوبكنز، استحوذ الموضوع على اهتمام وسائل الإعلام على نطاق واسع مع إحصائيات وعناوين مثيرة تقول إن الأخطاء الطبية هي السبب الثالث الأكثر شيوعاً للوفاة في الولايات المتحدة.

بينما ظل الطبيب والمحرر الإداري في موقع "الطب القائم على العلوم" ديفيد غورسكي يحاول دحض هذه الأسطورة لسنوات، معتبراً أن من نشرها هم من أولئك الذين يبيعون الطب البديل كنوع من مجابهة العلاج التقليدي القائم على الأدلة، وكتب غورسكي عدة دحوض مفصّلة لهذه الدراسات، لكنّ الأسطورة مازالت مستمرة، وفقاً للمصدر.

وأكد غورسكي أن السبب في انتشار هذا الموضوع هو سهولة الأرقام التي تحكي قصة رهيبة، بينما يعتبر أن شرح السياق الذي تجري فيه الوفاة وأنه من شبه المؤكد المبالغة في تلك الأرقام، فإن ذلك صعب جداً.

وكان قد ناقش هو وغيره من الباحثين والأطباء لفترة طويلة أن مراجعة هوبكنز تفتقر إلى منهجية رسمية، وأنها تعتمد على تعاريف متباينة للخطأ الطبي، والتي غالباً ما تخلط الأخطاء الطبية مع الأحداث السلبية بشكل عام.

وقال غورسكي في مقالٍ له: "إن هذه التقديرات مرتفعة للغاية على الأقل جزئياً، لأنها تُرجع أسباب الكثير من الوفيات إلى الأخطاء الطبية، وهو تشخيص يصعب على الخبراء الاتفاق عليه".

بدوره أشار جراح الصدمة مارك هوفناجل في وقتٍ سابق إلى أن معظم هذه الأخطاء تسمى الفشل في الإنقاذ أو عدم التعرف على المشكلة، إنها تأخر في التشخيص، أو تأخر في العلاج.

وبالنظر إلى خارج الولايات المتحدة، هناك أدلة تشير إلى أن الرقم أقل بالفعل، فعلى سبيل المثال، في بريطانيا كشف تقرير عام 2013 أنه: على الرغم من أن نسبة 5% من الوفيات في المستشفيات اعتبرت أن أكثر من 50% من حالات الوفيات كان يمكن تجنبها، إلا أنه تبيّن أن أكثر من نصف تلك الحالات أصابت المرضى الأكبر سناً وأولئك الذين لا يُرجَّح لهم أن يعيشوا أكثر من عام واحد، كما ذكر "ساينس أليرت".

كما توصلت دراسة حديثة وأكثر صرامة إلى رقم صادم، فبدلاً من مجرد النظر إلى "الأخطاء الطبية"، قام مؤلفو هذه الدراسة بفحص جميع الأحداث السلبية وارتباطها بوفيات المرضى، سواء كان هناك خطأ طبي أم لا، واعتماداً على بيانات لـ" دراسة العبء العالمي للأمراض والإصابات وعوامل الخطر" بين عامي 1990 و 2016 توصّلت الدراسة إلى رقم أصغر بـ50-80 ضعفاً من مراجعة هوبكنز.

ووجد الباحثون 123.603 حالة تم فيها تحديد الأحداث السلبية كسبب أساسي للوفاة، وبعد السيطرة على النمو السكاني والشيخوخة خلال 26 عاماً، وجدوا أن هذه المعدلات انخفضت بالفعل بأكثر من 20%.

ومن بين جميع حالات الوفاة المتعلقة بالأحداث السلبية، وجدت الدراسة أن 8.5% يمكن أن يُعزى إلى التعاسة أو الحظ السيئ أو أخطاء طبية مثل تهتك عرضي أو جرعة غير صحيحة، و 14% يمكن أن يُعزى إلى الأحداث السلبية المرتبطة بالإدارة الطبية.

لكن ذلك لا يعني أن الأخطاء الطبية التي يتم ارتكابها ليست مشكلة، أو لا ينبغي إصلاحها. بل على العكس، إن مجرد المبالغة الكبيرة في هذا الرقم إلى حد الأزمة، حيث يمكن أن يموت عدد كبير من الأشخاص الذين يدخلون المستشفى بسبب خطأ طبي، هو أمر خاطئ وخطير بشكل واضح.