كتب ابراهيم ناصرالدين

هل دخلت البلاد في «المجهول»؟ وهل خرجت الامور عن «السيطرة»؟ هل «سقطت» المبادرات والتسويات؟ وهل يمكن القول ان الجلسات الحكومية دخلت في «نفق مظلم»؟ اسئلة كبيرة بحجم «المأزق» الراهن الذي يشل السلطة التنفيذية، ويهدد بعواقب مالية واقتصادية غير محدودة بعد ان تحول معظم المعنيين «بالحل والربط» الى طرف في النزاع القائم على خلفية حادثة البساتين - قبرشمون، وفي هذا السياق علمت «الديار» ان رئيس مجلس النواب نبيه بري «مستاء» من الكلام المنقول عن رئيس الجمهورية ميشال عون والذي رفع من خلاله منسوب «التوتر» بدل تهدئة الامور، وجعل من نفسه طرفا في الازمة الدائرة بدل ان يكون جزءا من الحل، لكن اكثر ما اثار «حفيظة» رئيس المجلس هو توقيت «تسريب» هذه المعلومات التي كانت تقال «همسا» وبين «الجدران»، ويرى انها بمثابة «اطلاق نار» ربما «غير مقصود» على المبادرة التي كان يعمل عليها «بصمت»... لكن هل هذا يعني ان بري «نفض يديه من ايجاد تسوية تناسب الجميع؟ بري لن يتخلى عن دوره «التوفيقي» بحسب اوساط مطلعة على اجواء «عين التينة»، ان الرئيس بري سيواصل جهوده، على ان يلتقي اليوم الوزير السابق غازي العريضي، وتنطلق مبادرته من اجراء التحقيقات الامنية والقضائية المطلوبة بكل شفافية وانتظار القضاء ليقول كلمته، واتمام المصالحة السياسية لتعزيز المناخ الامني والاستقرار لمواجهة ما تشهده المنطقة من احداث ومخططات لا تبشر بالخير... ويشير زوار عين التينة الى ان بري «يتفهم» موقف الرئيس الحريري من عدم الدعوة الى جلسة للحكومة قبل الحل «السياسي» وذلك خوفا من تكرار ما حدث منذ اسابيع عندما دعا الى عقد جلسة لمجلس الوزراء ولم يحضر اعضاء الحكومة، وتكرار الامر سيكون امرا محرجا جدا لا يمكن للحريري تحمل تبعاته...

وبحسب تلك الاوساط، ثمة إقرار بأن الأمور باتت اكثر «صعوبة» وتزداد تعقيدا وهذا ينذر بمخاطر كبيرة، اذا لم يتم معالجة الازمة قريبا، وهو امر عبّر عنه بري خلال رعايته لمؤتمر الصناعة بالامس بقوله أن «الوضع الحالي الخطير لا يسمح بالتقدم لا في الصناعة ولا في غيرها». وأمل أن يتمكنوا من تجاوز هذا الوضع في أسرع وقت... اما الموقف الاكثر تعبيرا عن حجم «المأزق» الراهن فكان من خلال تصريح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بعد لقاء بري بالامس حيث اكتفى بالقول ردا على سؤال عما إذا كانت الأمور تتجه إلى الحلحلة: «نحتاج للدعاء».

 لماذا لجأ حزب الله «للدعاء»...؟

وبحسب اوساط متابعة، فان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة عبر «بصدق» عن موقف حزب الله من الازمة، فهو يريد للقضاء ان يأخذ مجراه بعيدا عن «تعطيل» الحكومة، وكان منذ اليوم الاول مع ضرورة التعامل مع الحادث ببعده الامني دون التوسع في خلق ازمة سياسية في غير مكانها، والحزب ما يزال يريد حلا «يرضي» حلفاءه دون ان تضيع «الحقيقة»، وهو يعيد تكرار موقفه امام جميع من يراجعه بان لا استهداف سياسياً او من خارج الحدود للنائب وليد جنبلاط الذي لا يريد ان يقتنع «بغير ذلك» ويسعى «لتكبير الحجر» دون اسباب موجبة، ولذلك يشعر حزب الله ان الاحداث «تتدحرج» وباتت «خارج السيطرة» بفعل غياب «الضوابط» السياسية التي تلزم كافة المعنيين «بالمخارج» التي تتساقط الواحدة تلوى الاخرى، وفي ظل «القلق» على «ضياع» الفرصة الجديدة المرتبطة بمبادرة الرئيس بري، لم يجد رعد سوى «الدعاء» للتعبير عن عمق «المأزق» الحالي...

 بعبدا ترفض «التوضيح»...؟ 

ووفقا لاوساط مطلعة على الجهود التي تبذل على «خط» الازمة، فان اتصالات ومساع جدية حصلت خلال الساعات القليلة الماضية مع بعبدا للخروج بتوضيحات او نفي للاجواء المنقولة عن الرئيس او حتى استخدام تعبير «غير دقيق» او آُخرج من السياق الذي أريد منه، وذلك في سبيل «تهدئة» الاجواء وعدم نقل الملف الى مرحلة جديدة من «التأزم»، وركزت المساعي على ضرورة ابقاء رئيس الجمهورية خارج دائرة «المواجهة» المباشرة مع اي طرف سياسي وترك هامش لدوره «التوفيقي» في المستقبل، لكن المحاولات لم تنجح وقوبلت المساعي «بصمت» عزز المعلومات التي افادت بأن «التسريب» كان مقصودا في توقيته ردا على تصعيد النائب السابق وليد جنبلاط...

«الاشتراكي» «يتوعد»

من جهتها توعدت مصادر الحزب التقدمي الاشتراكي برد يتناسب مع حجم الحملة «الممنهجة» ضد «المختارة» في المؤتمر الصحافي الذي سيعقد اليوم ظهرا في المصيطبة، وقالت انه سيتم عرض حقائق ووقائع ما حصل في البساتين في 30 حزيران الماضي، كذلك سيتم كشف التدخلات المباشرة في عمل القضاء... ولفتت تلك الاوساط الى ان كلام الرئيس عون «قلب» المعطيات التي صدرت من «خلدة» وهي تقطع الطريق نهائيا على فرضية الكمين الذي كان يستهدف الوزير الغريب، وتاليا يفترض ان يحدث تحول «دراماتيكي» في القضية، خصوصا ان التسجيلات التي يتم الحديث عنها تؤكد انه الوحيد الذي يمكن ان يمر الى بلدته... وبرأي اوساط «الاشتراكي» باتت الامور واضحة الآن ولم يعد بالامكان تغطية «الشمس بالغربال»، ولعل اللبنانيين يدركون الان لماذا رفض جنبلاط حضور «المصالحة» في بعبدا والتي كانت تطرح «خطياً» عند كل لقاء بين مدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم مع رئيس «الاشتراكي» ولذلك محاولة التنصل منها الان محاولة «لتضليل الرأي العام»... وبحسب تلك الاوساط، كان «الاشتراكي» لا يزال يراهن ان يكون رئيس الجمهورية على مسافة واحدة من جميع اطراف النزاع وأن يكون راعيا للمؤسسات الدستورية وليس طرفا فيها لكن «ثبت الان»انه يتدخل، إما مباشرة او عبر وزرائه...

 «تذاكي» «الاشتراكي»... 

من جهتها رات مصادر تكتل «لبنان القوي» ان محاولات «التذاكي» من قبل «الاشتراكي» ليست في مكانها، وبرأيها فان ما نقل عن رئيس الجمهورية لا يغير من الوقائع، فالكمين أعد للوزير باسيل، لكنه استهداف للوزير صالح الغريب، ما يعني أن النائب طلال إرسلان محق بالمطالبة بالمجلس العدلي انطلاقا من الوقائع التي حصلت وهذا لا يتناقض ابدا مع الكلام الرئاسي الذي ينطلق من معلومات وتسجيلات واضحة لدى الاجهزة الامنية...ومن هنا تشير تلك الاوساط الى أن «رئيس الجمهورية قرر الخروج عن صمته لأن «التمييع» وصل الى حد غير مقبول والبلد كله «معطل»،في وقت لا ينفك جنبلاط عن التصعيد ويعرقل الجهود المبذولة للحل.

 الحريري «الغائب الاكبر»؟ 

ويبقى الرئيس سعد الحريري «الغائب» الاكبر عن «مسرح العمليات» وعودته من الخارج لن تضيف الكثير الى الوقائع سواء لحل الازمة ام لمزيد من التعقيد، فبعد محاولة تحميله مسؤولية هذا التعطيل من قبل بعبدا، من خلال تسريب مضمون الاتصال بينه وبين الرئيس عون لحثه على توجيه الدعوة الى جلسة حكومية، تقول مصادر «المستقبل» ان رئيس الحكومة لم يعد قادراً على فهم حقيقة ما يريده الفريق المحيط بالرئيس، فمحاولة «احراج» الحريري لا تبدو في مكانها وموقفه واضح لجهة حرصه على عدم «تفجير» الحكومة، وهو ابلغ الرئيس صراحة ان الحل «بالسياسة» وخارج السراي الحكومي واذا لم يحصل هذا الامر، فان انعقاد جلسة تعني «مشروع مشكل» فهل ثمة من يريد اكثر من مجرد تعطيل مجلس الوزراء، وهل من مصلحة احد «تطيير» الحكومة؟ وتتساءل تلك الاوساط عن اسباب «استفزاز» رئيس الحكومة الذي سيتمسك اكثر بصلاحياته ليس اقلها المضي في قرار عدم الدعوة الى جلسة حكومية، فهل هذا سيكون لمصلحة العهد؟

 «الحلقة المفقودة»؟ 

في المقابل تشير اوساط التيار الوطني الحر الى ان «الحلقة المفقودة» تبقى في غياب مبادرة رئيس السلطة التنفيذية عن القيام بدوره المناط به، وليس هناك ما يبرر «سفراته» في هذا الوقت الدقيق الذي تمر به البلاد، والكل يرى انه لا يقوم بأي دور فاعل لحل الأزمة بل اتخذ من اليوم الاول موقفاً منحازاً مع جنبلاط، هو وغيره من المرجعيات السياسية في البلد، ولذلك ليس مقبولا ان «يعيب» البعض على رئيس الجمهورية اتخاذ موقف يوصف به الحادث بما يملك من معطيات امنية وقضائية، فيما هو سبق واتخذ قرارا منحازا منذ الساعات الاولى «للجريمة»...

 ملف التحقيقات... 

قضائيا، مثل أربعة موقوفين من الحزب الاشتراكي على ذمة التحقيق في حادثة البساتين، أمام قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل، الذي لم يتمكن من استجوابهم، بعد أن استمهلوا لتعيين محامين للدفاع عنهم، فتقرر إمهالهم مدة 24 ساعة، وأصدر مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، سندا لمواد الادعاء والتهم المنسوبة اليهم... ووفقا للمعلومات، تتضمن تلك التسجيلات نصوصاً واضحة على هواتف المتورطين وغيرهم من مسؤولي الحزب الاشتراكي، وكان اوضحها تعليمات لا تقبل اي شك بأن «القرار اتخذ ولن يمر الا على جثثنا»... فيما تتحدث نصوص اخرى عن تجميع العناصر واماكن انتشارها وتوزيع «مموه» للسلاح من قبل «وكيل الداخلية» عند «الاشتراكي وكلام عن منع باسيل «بالبيض والبندورة» وهو ما رجحت المصادر الامنية ان يكون تمويها لاستخدام «الرصاص»... وهناك ايضا تسجيل لأحد مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي يقول فيه: «يمكن الوزير الغريب وحده ان يعبر الطريق الى بلدته، أما غيره فما بيمرق».

 سجال بين الحلفاء...؟ 

وفي موقف لافت، خرج الحزب الديمقراطي اللبناني عن صمته منتقدا وزير البيئة فادي جريصاتي على خلفية موقفه من كسارات عين دارة وقالت مديرية الإعلام في بيان أنّها «كانت تترقب أن تنصف وزارة البيئة أصحاب الكسارات في ضهر البيدر وعين دارة، الذين يتعرضون لحملات سياسية وتجن يصبّ في خدمة مصالح الحيتان، وكنا ننتظر أن يقوم وزير البيئة فادي جريصاتي بالتصدي معنا لتلك الحملات السياسية التي تستهدف اصحاب الحقوق، لا ان ينفذ وزير البيئة رغبات وإرادة من هم ضد مصالح الناس». وسألت المديرية: «كيف يتصرف وزير البيئة بهذه الازدواجية: في السياسة حليفنا وفي الوزارة خصمنا؟ وهل قرر وزير البيئة ان يتحدى الناس علنا وعالمكشوف؟ ما زلنا نظن انك تجهل ما تفعل، او التبس عليك الامر سياسياً وشعبياً ووطنياً»... ووفقا للمعلومات، قرر الحزب الديموقراطي رفع الصوت بعدما فشلت الاتصالات البعيدة عن الاضواء في التوصل الى تفاهم مع وزير البئية حيال هذا الملف، فيما تكثفت مساء الاتصالات بين «خلدة» «وميرنا الشالوحي» لحصر الازمة ومنع تفاقمها...

 باسيل والعلاقة «المكلفة» مع حزب الله...

من جهة ثانية، أكد وزير الخارجية جبران باسيل أن الأزمة الاقتصادية التي يرزح لبنان تحتها حادة لكن البلاد ليست على شفا الإفلاس والانهيار، وقال باسيل في حديث الى «يورو نيوز»: «شراكتنا مع حزب الله كلفتنا شعبياً ودبلوماسياً، لكننا غنمنا استقرار ووحدة لبنان، لأن حزب الله جزء من الشعب وليس مجموعة مسلحة وهذه الشراكة ليست حكراً على التيار الوطني الحر. فالجميع في لبنان شريك لحزب الله، بدليل حكومة الوحدة الوطنية». واعتبر باسيل انه «لا يمكن قبول اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، كما صنفته واشنطن. ولا يمكن المقارنة بين حزب الله والتنظيمات الأخرى التي دخلت حلبة الصراع في سوريا»، قائلاً إن «الدفاع عن الأرض مختلف عما تفعله «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش». وأشار الى «أن العقوبات الأميركية على حزب الله تؤذي لبنان، ولكن الحكومة تعمل على إزالتها».