اليان مارون ضاهر

قد يكون انشاء سدّ في ايّ منطقة من العالم حلا ومخرجاً لأزمة مياه في مدينة او محافظة ما... ولكنّ بناء سدود يترافق مع مخاطر لا تُعدّ ولا تُحصى، وفي حال عدم وجود دراسة علميّة دقيقة، فقد يتحوّل السدّ الى كارثة عظيمة ويؤدّي الى أضرار وخسائر بشريّة فادحة.

ورغم أنّ مرج بسري قد يكون الموقع المثالي جغرافيّاً لإقامة سدّ، نظراً لموقعه ومساحته الشاسعة، إلا أنّ أحد الامور التي يجب أن تضع حدّاً لهذا المشروع على الفور هي وجود خطر جيولوجي في المنطقة.

* فالق روم *

إنّ الموقع المزمع فيه انشاء سد بسري، يقع بين فالق روم الطولي النشط تكتونياً وبين فالق نيحا العرضي، وقد شهد لبنان أعنف الهزات في العقود الماضية عام 1956، وكانت قوتها 6 درجات وحصلت على فالق روم المتفرع من فالق اليمونة، واحدثت اضراراً كبيرة في منطقة اقليم التفاح واقليم الخروب وفي البقاع، كما دمر آلاف المنازل وقتل فيه نحو 135 شخصاً من أهالي المنطقة.

وقد رفع الأهالي الصوت عالياً خصوصاً أنّ بعضهم لم ينسى بعدُ الكارثة التي حلّت آنذاك، فيخبرون أنّ منازلهم انهارت، كما تمّ سحب العديد من الأشخاص من تحت الانقاض.

والخوف لا يقتصر على وقوع زلزال في المنطقة، والكوارث التي سيكون حجمها اكبر في حال وجود السدّ واحتمال انهياره أمام أي زلزال، بل تتصاعد الخشية من احتمال أن يكون السدّ بحدّ ذاته سبباً لتحريك فالق روم نتيجة ثقل المياه، وبالتالي يكون السبب في وقوع زلزال. فقد أفادت دراسة لمدرسة كاليفورنيا في أميركا بأن الثقل قد يؤدي الى زلزال.

وتُشير دراسات منشورة عالمياً للدكتور الجيولوجي في الجامعة الأمريكية طوني نمر، ومؤكَّدةً بالخرائط والدراسات أنّ وجود السد على فالق بسري المتصل بفالق روم الناشط يمكن ان يؤدّي ثقل المياه فيه، الى تحريك الأول فيتحرك الثاني ما قد يؤدّي الى خطر زلزالي يهدد حياة نصف اللبنانيين في حال حصل ذلك.

* جيولوجيا الأرض *

أمّا جيولوجيّاً، فطبيعة الارض المزمع انشاء السدّ عليها متشقّقة وهشّة، وفي محيط مجرى نهر بسري ومن أسفل إلى أعلى تتكشف المجموعات الصخرية الآتية: صخور عصر «الجوراسيك» (أقدم صخور لبنان) الرسوبية البحرية الممتدة بشكل حزام طولي من بسري شمالاً مروراً بمزرعة تعيد وصولاً الى صفاريه جنوباً، كما وتغطي فجوة جزين الغربية صخور رملية ورملية صلصالية، وتعود الى حين <النيوكوميان> قاعدة العصر الطبشوري «C1 » تليه في الأعلى صخور حين الأبتيان الأعلى «C2b » الكلسية الصفراء والتي تشكل جدار جزين الصخري المهيب على المدخل الغربي للبلدة، فوقها حزام من صخور مارلية خضراء باهتة، ومارلية كلسية، تعود الى حين «الألبيان» «C3 » التي تشكّل القاعدة المانعة لتسريب المياه من صخور «السينومانيان» أعلاه، كما تتكشف على ضفاف الأولي جرفيات نهرية تعود الى العصر الرباعي الحديث.

وتظهر الخرائط الجيولوجية والمسطح الهيدروجيولوجي لمحيط المنطقة، على تكشّف محدود لمخزن كاربوناتي كارستي يعود الى عصر الجوراسيك الأعلى « J7 » يشكل حزام على طول الخط الممتد من مزرعة بسري شمالا مروراً بمزرعة تعيد فإلبابا وصولا الى صفاريه عازور جنوباً، يبقى معظمه مغطى بالصخور الرملية لقاعدة العصر الطبشوري النيوكوميان «C1».

واقامة هذا السدّ سوف تؤدّي حتماً لتسرّب المياه لجوف الأرض، وبالتالي قد تحصل هزة أرضية تصل الى طرابلس كما حدث عام 1956. والجدير بالذكر أيضاً أنّه إذا تحرّك فالق روم قد يؤدّي ذلك الى تدمير بيروت كلّيّاً.

* الحائط المانع للتسرب *

وجرى الحديث عن «الحائط المانع للتسرب» أو ما هو معروف بـ (Cutoff wall) وهو مصمم ليصل الى عمق 120 متراً، وهو في الواقع موجود تحت منشأة السد بهدف حجز المياه ضمن البحيرة، وجدار السد بعلو 75 متراً، أي ما مجموعه 195 متر ويتعدى 100 م، ما يضع هذا السد ضمن المنشآت الخطرة على المحيط مع وجود مخاطر لهزات أرضية إرتدادية بسببه.

وهذا العمق 120 متراً لا يصل الى الصخر الصلب ضمن الجوراسيك، وبالتالي ستبقى المياه تتسرب من خلاله مهما حاولوا، ولن يكون مانعاً لها إذ وصل الحفر في الآبار الى عمق 150 متراً ولم يجدوا أي تغيير في طبيعة الصخر ولا في نسبة مقاومتها، وأيضاً لم يستطيعوا تكملة الحفر نظراً لضغط المياه الجوفية صعوداً.

فماذا سيحدث في حال فشل المشروع وفي حال تسرّبت المياه ولم تبق في البحيرة؟

والى حدّ الآن يبقى هذا الملفّ مفتوحاً على مصراعيه، بحيث يتمسّك المعنيّون بإقامة السدّ من جهة، مهملين كلّ الدراسات والمخاطر ويتمسّك الأهالي من جهة أخرى بمعارضته في كلّ الاشكال المتاحة.