على مدى أشهر، توغلنا في مقالات، واقوال، المعلقين والباحثين اليهود في الولايات المتحدة حول صفقة القرن. في نهاية المطاف، هؤلاء لا يرون في العرب سوى تماثيل الشمع. ربما... تماثيل القش!

تحدثوا، بافتتان، عن عبقرية جاريد كوشنر (عبقرية الضحالة). يعلمون أن كل السيناريوات التي يحملها في حقيبته هي من اعداد الفريق الذي قام بتشكيله، وتمويله، الملياردير النيويوركي شلدون أدلسون. الفريق الذي يضم ديبلوماسيين، وباحثين، تربطهم علاقات وثيقة بأركان اللوبي اليهودي.

نظرة على الاطار الفلسفي للصفقة. العرب العاجزون في الدفاع عن أرضهم، لا يمكن لهم أن يخوضوا أي حرب ضد اسرائيل، لا بل أن التركيب الجيني للعرب هو تركيب قبلي. هباء بشري تائه بين جاذبية البادية وجاذبية اللامعنى...

اذاً، لماذا رقصة التانغو مع المستحيل؟ العرب بين الذئب الايراني والذئب التركي. الايرانيون والأتراك لا يرون في المنطقة العربية سوى الخواء. هنا تتماهى رؤية آية الله خامنئي مع رؤية الشاه محمد رضا بهلوي. هنا تتماهى رؤية رجب طيبب اردوغان مع رؤية مصطفى كمال أتاتورك.

تلك القوى الاقليمية التي تتقن توظيف التاريخ، كما توظيف الايديولوجيا، في استثارة مجتمعاتها جيوسياسيا ً، وجيوستراتيجياً. الى حد بعيد اخترقت نقاطاً حساسة في المنطقة. الايرانيون وصلوا الى ضفاف المتوسط. الأتراك وصلوا الى ضفاف الخليج.

جاريد كوشنر، والذين وراءه، يعتبرون أن «القضية الفلسطينية» مصطلح فولكلوري سقط بمرور الزمن. ياسر عرفات كان الأكثر ادراكاً لواقع الحال. لا خيار سوى البراغماتية بعدما تبين له أن لا البنادق، ولا الحجارة، يمكن أن تصل الى مكان مادامت الأنظمة ثابرت على استخدام التراجيديا الفلسطينية اداة للبروباغندا الفارغة.

من هنا كانت «خطوته الرائعة». القفز فوق التابو الخشبي والخادع، وتوقيع اتفاق اوسلو مع اسحق رابين.

الى ذلك، واستخلاصاً لما يذهب اليه الباحثون، والمعلقون، القضية الفلسطينية لم تعد قضية فلسطينية، ولا قضية عربية. باتت قضية ايرانية، وقضية تركية. الدليل أن حركة «حماس» تأتمر ايديولوجياً بأوامر أنقرة، وعسكرياً بأوامر ايران.

استطراداً، من هناك بين العرب من يقول بالقتال ضد «اسرائيل» سوى حزب الله في لبنان، وحيث التوازنات الهشة، والقابلة للانفجار، وحيث التردي الاقتصادي، والمالي، الذي قد يودي بذلك البلد الى التهلكة؟

شعار جاريد كوشنر: انقذوا الفلسطينيين، وانقذوا انفسكم، من المخالب الايرانية والمخالب التركية!

في فلسفة الصفقة، وما يمكن أن يكون طرحه على القادة العرب الذين التقاهم: دونالد ترامب هو فرصتكم الذهبية. هوذا رئيس أميركي لا يتقن المراوغة، ولا ارتداء الأقنعة. ماذا فعل الرؤساء الآخرون مع العرب سوى انهم استبقوهم، لعقود، في قاعة الانتظار (قاعة من دون نوافذ). دونالد ترامب يريد دفعكم الى الأفق...

مثلما واجه الواقع بجرأة، على العرب أن يواجهوا الواقع بجرأة، دون الاكتراث بصراخ القابعين على قارعة التاريخ. هؤلاء ليسوا أكثر من فقاعات تطفو، للحظات، على السطح ولا تلبت أن تتلاشى.

الأفكار التي حملها صهر الرئيس الأميركي، دون أن ننسى أنه زوج العزيزة ايفانكا، دخلت في رؤوس الكثيرين من العرب، ومن سائر الفئات والطبقات. هؤلاء أعادوا، من سنوات، ترتيب أولوياتهم: الحاخامات أبناء عمومتنا. آيات الله أعداؤنا. أليس اسماعيل، كما اسحق، من فخذ ابراهيم؟

«اسرائيل» هي أثينا لا اسبارطة، كما صورها النافخون في الأبواق (ونحن منهم). دولة مجهرية ديموغرافياً، ولا يمكن أن تهدد العرب، كما هي حال ايران وتركيا. حتى عندما كانت هناك المملكة اليهودية، في زمن داود وسليمان، لم يفكر احد باجتياح أراضي الغير. توقفوا عند «أرض الميعاد» وتعاملوا، بمنتهى الدماثة، مع الجيران.

داود تغنى بثلوج لبنان، وسليمان ابتنى الهيكل بخشب الأرز، وحين عجز عن تأدية الثمن اقتطع لأحيرام (وفي أول انتهاك للوعد الالهي) سبع قرى في الجليل.

كوشنر لا ينسى القول ان ما من مرة خاضت «اسرائيل» الحرب ضد أي بلد عربي الا وكانت المعتدى عليها. أما بالنسبة الى حرب حزيران 1967، فالكل يعلم ما كان يقصده جمال عبد الناصر حين اقفل مضيق تيران.

صفقة القرن تختزل، وكما طرح جاريد كوشنر خطوطها العريضة، بالتالي: «اسرائيل» هي الظهير الوجودي للدول العربية. يفترض التداخل الاستراتيجي، بابعاده السياسية والاقتصادية، بين الجانبين، ليس فقط لدرء الأخطار التي تهب من كل حدب وصوب، وانما أيضاً لارساء ديناميات التفاعل بين الأدمغة اليهودية والثروات العربية.

آنذاك، وكما رأى شمعون بيريس، تتألق «عبقرية الشرق الأوسط». فارق شاسع بين أن تكون المنطقة الحديقة، والمصنع، أوأن تكون المقبرة والخندق.

هكذا قال جاريد كوشنر. عليكم الاختيار...