مع كل التردّي الواضح في هيكلية موازنة الدوّلة اللبنانية من ناحية إرتفاع الإنفاق العام بشكل غير متواز مع إرتفاع الإيرادات، يُطّرح سؤال أساسي عن أسباب هذه الخلّل في هيكلية الموازنة؟

المعروف أن الفساد المُستشري في لبنان مسؤول بنسبة تفوق الـ 70% عن الإرتفاع غير الطبيعي للنفقات. وقد كنا قد نشرنا في جريدة الديار العدد 10829 تاريخ 24 حزيران 2019 تشريح كامل لمنظومة الفساد وتداعياتها على الإقتصاد والمالية العامّة والتي قدّرناها بأكثر من 13 مليار دولار أميركي سنويًا.

ويبقى لنا معرفة سبب عدم إرتفاع الإيرادات بشكل مواز لإرتفاع الإنفاق؟ فالبيانات التاريخية الصادرة عن وزارة المال، تُشير إلى أن الإنفاق العام إرتفع بمُعدّل 8.28% سنويا مقارنة بإرتفاع 3.11% للإيرادات (Geometric Mean ) وذلك على الفترة المُمتدة من العام 2012 إلى 2018 ضمّنا. وإرتفعت الإيرادات من 13.47 ألف مليار ليرة لبنانية في العام 2012 إلى 16.19 ألف مليار ليرة لبنانية في العام 2018. في حين إرتفع الإنفاق العام من 15.31 ألف مليار ليرة لبنانية في العام 2012 إلى 24.66 ألف مليار ليرة لبنانية في العام 2018! وهذا ما نلحظّه كخلل جوّهري في هيكلية الموازنة مما دفع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير إلى الطلب من الحكومة رفع الضرائب والرسوم وخفض الإنفاق العام لإعادة توازن المالية العامّة.

مُشكلة في مداخيل الرسوم الجمركية

تُظهر البيانات التاريخية الموجودة على موقع البنك الدوّلي إلى أن نسبة مداخيل الرسوم الجمركية من إجمالي مداخيل الدوّلة اللبنانية إنخفضت من 60.18% في العام 1997 إلى 6.04% في العام 2017! كما انخفضت قيمة هذه الرسوم من 1.16 مليار دولار أميركي في العام 1997 إلى 492 مليون دولار أميركي في العام 2017 أي بإنخفاض 57%!!!

بيانات وزارة المال المتوافرة على البوابة الإلكترونية للوزارة من العام 2012 إلى نيسان 2019، لا تتطابق مع أرقام البنك الدوّلي. ففي حين يُعطي البنك الدوّلي نسبة مداخيل الرسوم الجمركية من إجمالي مداخيل الدوّلة في العام 2012 ما يوازي 7.9%، تُعطي وزارة المال الرقم 15.89% للعام نفسه. وتُعطي أيضًا الوزارة نسبة 12.34% في العام 2017 مقارنة بـ 6.04% للبنك الدوّلي. على كلّ الأحوال وبغض النظرّ عن صحّة الأرقام هناك تراجع في أرقام الرسوم الجمّركية التي إنخفضت من 528 مليون دولار أميركي في العام 2012 إلى 492 مليون دولار أميركي في العام 2017 بحسب البنك الدولي، ومن 1.5 مليار دولار أميركي في العام 2012 إلى 1.43 مليار دولار أميركي في العام 2017 بحسب وزارة المال.

العديد من المراقبين يُحمّلون معاهدات التبادل التجاري الحرّ مسؤولية التراجع في مداخيل الجمارك، لكن البحث أكثر في التفاصيل يُظهر أن هناك مُشكلة من نوع أخر!

في 27 شباط من العام 1981، وقّع لبنان معاهدة التيسير العربي مع عشرين دوّلة عربية أخرى. وتهدف هذه المعاهدة إلى تحرير التبادل التجاري بين الدول العربية من الرسوم والقيود المختلفة التي تفرض عليها كما وتقديم تسهيلات تمويلية للمشاريع الإنتاجية لهذه الدوّل.

من ناحية أخرى وفي ظل سياسة الإنفتاح على الجوار، قام الإتحاد الأوروبي وذلك منذ تسعينات القرن الماضي بتوقيع إتفاقيات شراكة ثنائية أورو - متوسطية مع دول البحر المتوسط. وقدّ وقّعت السلطة الفلسطينية هذه الإتفاقية في العام 1997، تونس في العام 1998، إسرائيل والمغرب في العام 2000، ومصر والأردن ولبنان في العام 2002. وكان من المتوقّع أن تدخل هذه الإتفاقية حيّز التطبيق في لبنان إبتداء من العام 2002، إلا أن التطبيق الفعلي بدأ في العام 2004 مع انخفاض تدريجي للرسوم الجمركية لتختفي كليًا في نهاية أذار من العام 2015.

مطابقة تواريخ توقيع المعاهدات التجارية وإيرادات الرسوم الجمّركية، يُؤكدّ أنه من غير المنّطقي تحميل مسؤولية التراجع في مداخيل الرسوم الجمّركية للمعاهدات التجارية التي وقّعها لبنان. والمُلاحظ أن هناك إنخفاضاً كبيراً بين العامين 1997 و2001 بنسبة 66% لا نعرف أسبابه!!

التهريب الجمّركي

التهريب الجمركي يتمّ عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية ويبقى مرفأ بيروت في صدارة المرافق العامّة التي يتمّ فيها تهريب جمّركي مع أكثر من مليار دولار أميركي سنويًا (في أقلّ تقدير) والسبب يعود إلى أن أكثر من 73% من التبادل التجاري يتمّ عبر مرفأ بيروت. ويتمّ تسجيل البضائع بخانات غير الخانات التي تتناسب والبضائع أو إستخدام بيانات جمركية مزدوجة. وقد ّتم رصد العديد من المخالفات لمكاتب تخليص معاملات تعمد إلى إستخدام بيانات جمركية مزدوجة لنفس البضائع بهدف التحايل على خزينة الدوّلة. أيضا يُمكن القول أن غياب السكانر من المرفأ هو قمّة الفضائح إن من ناحية التهريب أو من ناحية المداخيل التي تخسرها خزينة الدّولة. ويبقى القول أن تقديراتنا للخسائر غير المباشرة الناتجة عن التهريب على مرفأ بيروت تفوق المليار دولار أميركي.

أمّا في مرفأ طرابلس فكلفة التهريب ما زالت مُنخفضة بحكم أن النشاط الفعلي للمرفأ بدأ حديثًا مع تحويل البواخر الكبيرة إلى المرفأ، لذا يبلغ حجم التهريب الجمّركي ما يُقارب الـ 50 مليون دولار أميركي مع ترجيح إرتفاعه. ويتضمن التهريب الجمّركي أيضًا تسجيل البضائع بخانات غير الخانات التي تتناسب والبضائع. أمّا في ما يخصّ مطار بيروت، فحجم التبادل التجاري الذي يمرّ عبره يبقى قليلا نسبة إلى حجم التبادل التجاري.

التهريب الجمركي عبر المعابر الشرعية على الحدود الشرقية يبقى كبيراً نسبيا وتتراوح قميته بين 200 إلى 300 مليون دولار أميركي سنويًا مقارنة بـ 100 إلى 200 مليون دولار أميركي عبر المعابر غير الشرعية. ويُعتبر فارق الأسعار بين سوريا ولبنان الدافع الأساسي للمهربين لتهريب البضائع بإتجاه لبنان مما يُحمّل الدوّلة اللبنانية والدّولة السورية خسائر كبيرة.

هناك أكثر من 142 معبراً غير شرعي قام الجيش اللبناني بإغلاق العشرات منها وطمرها بسواتر ترابية، الا ان المهربين اعادوا فتح قسم منها بعد اخلاء الجيش هذه المعابر. وبالتالي عاودت عملية التهريب للمنتجات الزراعية ولمنتجات صناعية مُصنّعة داخل سوريا ولكن أيضًا ذات منشأ في بلدان أخرى. وهذا الأمر يضرّ بشكل كبير بالإقتصاد اللبناني حيث تُقدّر الخسائر غير المباشرة أو الكلفة على الاقتصاد في اقل التقديرات الـ 500 مليون دولار اميركي سنويًا.

لجنة إدارة مرفأ بيروت

لمرفأ بيروت أهمّية كبيرة جدا على الصعيد الاقتصادي إذ أن أكثر من 73% من التبادل التجاري (إستيراد وتصدير) بين لبنان والعالم يتمّ عبر مرفأ بيروت. ويتعامل المرفأ مع أكثر من 300 مرفأ عالمي ويرسو فيه أكثر من 3100 سفينة سنويا بمعدّل 200 سفينة شهريًا.

مرفأ بيروت هو مرفأ قديم جدا تمّ إنشاؤه في العهد الفينيقي وإستفادت منه كل القوى التي سيطرت على لبنان عبر العصور. وإستفاد منه الفرنسيون أيضًا من خلال إستثمارهم للمرفأ في العام 1894 بواسطة شركة فرنسية إستحصلت على إمتياز من قبل السلطان العثماني. تَعزّز الوجود الفرنسي في المرفأ بعد إنهزام العثمانيين على يد الحلفاء وإستمرّ حتى العام 1960 ليتمّ إستعادة الإمتياز ومنحه لشركة «إدارة وإستثمار مرفأ بيروت» (كان يرأس هذه الشركة هنري فرعون). مع خروج لبنان من الحرب الأهلية وتزامنه مع إنتهاء الإمتياز المُعطى للشركة، قامت السلطات اللبنانية أنذاك بتعيين لجنة مؤقتة لإدارة مرفأ بيروت. ومنذ ذلك الوقت والشركة تقوم بإدارة المرفأ. مهام هذه اللجنة تشمل الأشغال التي تتمّ في المرفأ وتحصّيل رسوم للمرفأ من التعاملات التجارية.

العديد من القانونيين يقولون أنه لا يوجد أي إطار قانوني لهذه اللجنة التي لا تخضع لأي رقابة سواء من أجهزة الرقابة المالية أو الإدارية أو حتى من الحكومة. هذا الإنتقاد نابع من منطلق أن هذه اللجنة تتعاطى أموالا عامّة وبالتالي فهي تُخالف قانون المحاسبة العمومية التي تفرض الرقابة على كل مؤسسة تتعاطى المال العام.

هناك علامات إستفهام طرحها أكثر من مسؤول سياسي وخبير إقتصادي حول إيرادات المرفأ وحصّة الدوّلة من هذه الإيرادات. الوزير السابق فادي عبّود قال أن اللجنة تمتلك حساباً مصرفياً خاصاً بها ويتمّ تحويل الإيرادات إليه وقدّرت هذه الأخيرة بـ 350 مليون دولار أميركي سنويا مقارنة بتحاويل إلى خزينة الدوّلة بقيمة 48 مليار ليرة 2011، صفر عن العام 2012، 30 مليار ليرة عن العام 2013... حتى أن بعض المعلومات تقول انه خلال 17 عاما تمّ تحويل مبلغ وقدره مليار دولار أميركي في حين أن مدخول المرفأ بحسب تقدير الخبراء لا يقلّ عن 700 مليون دولار أميركي سنويا.

على كلّ هناك مُشكلة كبيرة في مداخيل الرسوم الجمركية وإدارة مرفأ بيروت تفرض على الحكومة التدخّل الفوري لمعرفة ما يجري من حقائق على الأرض والقيام بالإجراءات التي تضمّن «قدّسية المال العام» وحفاظًا على الكيان اللبناني من الإنهيار.