بروفسور جاسم عجاقة

يُعاني الاقتصاد اللبناني من تداعيات ثلاث مُشكلات سياسية هي: أحداث قبرشمون الأليمة، الخلاف على المادة 80 في موازنة العام 2019، وملفّ التعيينات. وإذا كانت هذه المشاكل تتنافس في ما بينها لاحتلال المرتبة الأولى في عرقلة العجلة الاقتصادية، إلا أنها (أي المشاكل) تُساهم بالطريقة نفسها في ضرب الماكينة الاقتصادية ومن خلفها المالية العامّة.

«الانتصار» الذي تسابقت الأحزاب في تبنّيه في موازنة العام 2019، لم يتخطّ التصاريح الإعلامية. فالخلاف الناشب على المادّة 80 من قانون الموازنة، سيؤخّر نشر الموازنة وبالتالي فإن الإجراءات الموجودة فيها لن تؤتي بثمارها في نهاية العام 2019 كما هو مُتوقّع. ولكن باعتقادنا لن يقبل فخامة رئيس الجمّهورية العماد ميشال عون التأخير في نشر الموازنة نظرا لحرصه الكبير على لبنان ووعيه للمخاطر الاقتصادية والمالية المُترتبّة عن مثل هذا التأخير، خصوصًا أن الحلول لهذه المُشكلة موجودة وهي كثيرة.

وماذا نقول عن أحداث قبرشمون الآليمة والتي ما زالت تداعياتها تعصف بالحكومة لدرجة قدّ تُحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال. وعدم التئام الحكومة سيؤدّي إلى التأخير في تنفيذ مشاريع سيدر والتي من المفروض أن يتمّ إقرارها في مجلس الوزراء ورفعها إلى لجنة متابعة مؤتمر سيدر بهدف تمويلها.

أمّا ملف التعيينات، فيبقى القنبلة الموقوتة التي لن تكون تداعياتها أقلّ كارثية على الحكومة من الملفات الأخرى. أي بمعنى آخر قد يتعطّل العمل الحكومي نتيجة هذا الملف الذي سيعود حكما إلى الواجهة بعد حلّ مُشكلة أحداث قبرشمون، ومُشكلة موازنة العام 2019.

هذا الواقع يُرسي بثقله على الحياة الاقتصادية اليومية، فالشركات بدأت تُعاني فعليا نتيجة تراجع الاستثمارات والمخاوف التي ترافق تردّي الوضع المالي العام. ولم تنجح كثيرا محاولات وزارة السياحة في جذب السياح أقلّه في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام كما تُظهر في الأرقام حيث ان الارتفاع لم يتجاوز 5.5% نسبة للفترة نفسها من العام 2018.

ويأتي توقّف وزارة المال عن دفع المستحقّات للمورّدين ليُضعف أكثر القطاع الخاص ويُلقي بثقله على العديد من القطاعات، أضف إلى ذلك التراجع الهائل في القطاع العقاري مع حجم مبيعات بقيمة 434 مليار ليرة لبنانية في حزيران 2019 مقارنة بـ 976 مليار ليرة في حزيران من العام الماضي، أي بتراجع نسبته 55.45% ليعكس بذلك مدى عمق الأزمة التي يعيشها هذا القطاع والتي أثّرت في قطاعات عديدة تدور في فلكه.

 القطاع السياحي

تُشير الأرقام الصادرة عن مديرية الإحصاء المركزي إلى أن عدد الوافدين إلى لبنان في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2019 بلغ 692.704 أشخاص أي بزيادة 5.52% نسبة إلى الفترة نفسها من العام 2018، منهم 229.941 شخصاً من البلدان العربية 256.122 شخصاً من البلدان الأوروبية، 106.471 شخصاً من الدول الأميركية، 54.744 شخصاً من الدول الآسيوية، 23.919 شخصاً من الدول الأوقيانوسية، و21.375 شخصاً من الدول الأفريقية. وبحسب المُعطيات النسبة الكبرى من هؤلاء تبقى من المُغتربين اللبنانيين مع توقّعات شبه أكيدة بأن يكون الوضع كما هو عليه في شهري حزيران وتمّوز من العام الحالي وزيادة كبيرة في شهر آب نظرا إلى عدد الحجوزات في الفنادق.

وبلغ عدد الوافدين في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2019 من المملكة العربية السعودية 31.069 شخصاً (24 ألفاً في 2017 و17 ألفاً في 2018) أي ما يوازي 13.51% من إجمالي الوافدين من الدول العربية و4.49% من إجمالي

الوافدين إلى لبنان ليتبيّن بذلك التردّد القائم بين السياح السعوديين على الرغم من رفع حظر سفرهم إلى لبنان من قبل الحكومة السعودية. وباعتقادنا، فإن تداعيات أحداث قبرشمون الأليمة ستظهر على أعداد السياح السعوديين في أرقام شهر تمّوز خصوصا أن منطقة الجبل هي من المناطق المُفضّلة لدى الخليجيين. وتأتي الحادثة التي حصلت ليل الجمعة الماضي أمام منزل الوزير الغريب، لتزيد من مخاوف السياح وبالتالي فإن تداعياتها ستكون حكمًا سلبية.

إلا أن المُلفت أن نسبة مساهمة السياح السعوديين الذين أتوا إلى لبنان في إجمالي إنفاق السياح، ارتفعت إلى 15% في الفصل الأول من العام 2019 مقارنة بـ 12% في الفصلين الأخيرين من 2018 و11% في الفصلين الأولين من العام 2018. وتأتي هذه الأرقام لتُظهر مدى أهمّية السائح السعودي ومُساهمته العالية في إجمالي إنفاق السياح نسبة إلى باقي الجنسيات.

 القطاع العقاري

يمرّ القطاع العقاري في أصعب مراحله مع تراجع عدد عمليات البيع بشكل ملحوظ إذ انخفض عدد العمليات الشهرية من 6.027 عملية في كانون الأول 2018 إلى 2.933 عملية في شهر حزيران 2019 أي بإنخفاض 51.34% وبنسبة 38.45% عن شهر حزيران من العام 2018. كما أن قيمة عمليات البيع انخفضت من 821.8 مليون دولار أميركي في شهر كانون الأول 2018 إلى 288.4 مليون دولار أميركي في شهر حزيران 2019، أي بانخفاض بنسبة 65.9% وبنسبة 55.45% عن شهر حزيران من العام 2018.

ويبقى الأصعب هو انخفاض قيمة العملية الواحدة، إذ انخفض معدّل علمية البيع من 136.359 دولاراً أميركياً في كانون الأول من العام 2018 إلى 98.338 دولاراً أميركياً في شهر حزيران من العام 2019، أي بانخفاض بنسبة 27.88% وبنسبة 27.63% عن شهر حزيران من العام 2018. هذا الواقع، يُظهر مدى الضرر الذي تعرّض له القطاع العقاري مع طلب رخص بناء بمساحة 600 ألف متر مربّع في آذار من العام 2019 مقارنة بـ 1.79 مليون متر مربّع في حزيران 2011!

وعلى الرغم من إقرار المجلس النيابي 100 مليار ليرة لبنانية في موازنة العام 2018 و100 مليار أخرى في موازنة العام 2019 لدعم القروض السكنية، إلا أن هذه الاعتمادات لم تتمّ الاستفادة منها على الأرض. كما أن الدعم الذي قدّمه مصرف لبنان بقيمة 390 مليار ليرة لهذا العام، لم يُقنع المصارف بالمشاركة في إعطاء قروض سكنية نظرا إلى الفوائد المُنخفضة المُقرّة من قبل مصرف لبنان ونظرا إلى زيادة المخاطر الائتمانية. وبالتالي يعيش القطاع العقاري أسوأ أيام حياته، إلا أننا نعتقد أنه على الرغم من هذه الأزمة، فإن الأسعار ستبقى مُستقرّة في المدى المنظور.

 مسؤولية الحكومة

مما لا شكّ فيه أن العديد من العوامل السياسية المحلّية والإقليمية وحتى الدولية تؤثّر سلبا في الاقتصاد اللبناني. وإذا كانت الحكومة والرأي العام يبحثان عن حلول من جهة المالية العامّة والنقد، إلا أن المُشكلة الحقيقية تبقى في غياب السياسات الاقتصادية.

ولكن كيف للحكومة أن تضع سياسات اقتصادية في ظل التجاذبات السياسية التي حصلت وتحصل؟ اليوم الحكومة مُعطّلة بسبب أحداث قبرشمون، ولكن سبب التعطيل يُمكن أن يكون أي خلاف على ملف يبحثه مجلس الوزراء والسبب الحقيقي يعود إلى البعد الإقليمي والدولي لكل الأحداث التي تعصف بلبنان. وباعتقادنا فإن الاقتصاد يدفع فاتورة التأثير الخارجي في السياسة المحلية ويكفي النظر إلى أي خلاف سياسي لنرى في أعماقه رواسب التدخل الخارجي في الشؤون اللبنانية. فإلى متى ستبقى الحكومة مُعطّلة ونحن في فترة سماح، استطاع حاكم مصرف لبنان شراءها، قبل وقوع المُشكلة الكبيرة في العام القادم؟

إن الحديث عن إصلاحات في موازنة العام 2019 يسقط كلّ يوم مع مرور الوقت نظرا إلى أن الإصلاحات لا تُعطي مفعولاً إلا مع الوقت. وبالتالي غياب الموازنة وعدم انعقاد مجلس الوزراء هو قنبلة موقوتة ستنفجر إذا مرّ العام 2019 من دون تحرير أموال مؤتمر سيدر!

الدولة اليوم أوقفت الإنفاق باستثناء الأجور وملحقاتها والنقل كما خدمة الدين العام والاستيراد. مما يعني أن كل المستحقات الأخرى ستظهر في موازنة العام القادم على شكل ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق وهنا ستحصل الكوارث.

لذا يا أصحاب الدولة والمعالي، رأفة بالعباد اعقدوا جلسة لمجلس الوزراء لبحث أمور أساسية تخص الاقتصاد وليس جدول أعمال تقليدي (نقل اعتمادات، سفر...)، وتذكّروا أن التاريخ لن يرحم!