تم اقرار موازنة العام 2019...وبدأت الاستعدادات لدراسة موازنة العام 2020.

ولكن تداعيات موازنة 2019 بدأت وستستمر لفترة طويلة من الزمن خصوصاً لامكانية تثبت نسبة العجز التي ستحددها وزارة المالية خلال اليومين الماضيين بعد زيادة بعض بنود الانفاق والايرادات مثل فرض ضريبة على المولدات الخاصة والتي قدرت بـ100 مليار ليرة او تخفيض بعض الانفاق في موازنة مجلس الانماء والاعمار.

كما ان زيادة الرسم 3 في المئة على الاستيراد باستثناء المحروقات والمواد الاولية في الصناعة والزراعة ستؤمن مردوداً على الخزينة، الا ان بعض المحللين يؤكدون ان هذه النسبة سترتفع على الاستهلاك والمواطنين، الا ان القطاعين المعنيين ارتضيا بهذه النسبة من الرسم، الصناعيون رحبوا والتجار وافقوا على مضض، لكن تبقى العبرة في التنفيذ وكيف سيتقبل المجتمع الدولي اقرار هذه الموازنة للمباشرة بتطبيق «سيدر».

وزير المالية اعتبرها كانها «لقيطة» بعد ان اعتبرت موازنة رقمية وغير اصلاحية، لكن الجميع يركز على موازنة 2020 التي سيتكاثر اباؤها في حال نجحت موازنة 2019 في تثبيت العجز رغم ان وكالات التصنيف العالمية وصندوق النقد الدولي تؤكد ان العجز سيتجاوز ال9 في المئة.

على اية حال، الموازنة وضعت على السكة وبدأ العمل في تنفيذها، واذا كانت الضريبة على فائدة الودائع ستؤمن اكثر من 300 مليون دولار عداً ونقداً، فان الرسم الـ3 في المئة على الاستيراد ما زال قيد الدرس من ناحية عدد السلع التي سيفرض عليها هذا الرسم، ومقدار العائدات من هذا الرسم على الخزينة ومقدار ما سيطال من «جيبة المواطنين» وما اذا كان سيؤدي الى تخفيض نسبة الاستيراد ودعم القطاع الصناعي الذي تقدر صادراته بـ5،2 مليار دولار فقط.

وقد اعتبر رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس ان اقرار موازنة العام 2019 هي خطوة اساسية على طريق الالف ميل. والايجابية الكبيرة هي في تخفيض ملموس للعجز بحدود ما بين 3 و4 في المئة، وهذا تطور لافت حتى بالنسبة لمندرجات «سيدر» التي كانت تتحدث عن 1% سنويا. وهذه الموازنة هي خطوة الى الامام اذا ما تم الالتزام من خلال تنفيذ هذه الموازنة بامانة وبدقة على ما تبقى من العام 2019.

صدر عجز الموازنة خلال ستة اشهر من العام الحالي وقد تبين ان العجز بحدود 7 في المئة، صحيح ان الصرف تم على اساس القاعدة الاثني عشرية كان مخصصاً للرواتب والاجور وملحقاتها، وهذا عامل مساعد بعد ان كان عبئاً يساعدك على تحقيق نسبة العجز المرجوة.

لكن الطريقة التي وصلنا اليها هي طريقة غير مرضية، موازنة ادخلت ايرادات اضافية بشكل عشوائي وذهبت الى محلات اصابتها الضرائب عام 2017 مثل الضرائب على فائدة الودائع المصرفية من 7 الى 10 في المئة وهذا ان دل على شيء فانه يدل على عدم استقرار ضرائبي وتشريعي، لانه خلال سنتين ارتفعت هذه الضريبة مرتين المرة الاولى من 5 الى 7 في المئة والمرة الثانية من 7 الى 10 في المئة، وهي نقطة سوداء في عالم الضرائب، اي لا يوجد جدية في الملف الضرائبي.

كما تبين ان الضرائب على المصارف خلافاً لما هو شائع هو اكثر شيء يؤذي الاقتصاد لان لها مفعول انشطاري يطال المؤسسات والاسر من خلال التسهيلات المصرفية والتمويل الاستثماري والقروض الشخصية البنيوية منها والاستهلاكية مما ادى الى ارتفاع نسب الفوائد بشكل صاروخي، انتقلنا من مكان الى آخر بموضوع الفوائد التي كانت معتدلة فاصبحت اليوم جنونية دائنة ومدينة.

ويعتبر شماس ان صندوق النقد الدولي لا يحب الضغط على القطاع المصرفي لانه العمود الفقري في الاقتصاد خلافاً لما يجري في العالم حيث كانت الدولة تدعم المصارف فيها بينما يحدث العكس في لبنان وان اي اساءة للقطاع المصرفي ستتحول الى نكبة في الاقتصاد الحقيقي والقطاعات الاقتصادية الانتاجية.

اما بالنسبة للرسم الاستثنائي على الاستيراد المحدد بسنة 3% في العام 2017 تمت زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 الى 11 في المئة مع رسوم اخرى تطال التجارة الداخلية والخارجية والتوظيف بمعنى ان هذا الرسم سيؤدي الى ضرب القدرة الشرائية للمواطنين وامتصاص المزيد من السيولة في الاسواق.

اذن هناك وعي كامل في القطاع التجاري يدرك خطورة استفحار العجز التجاري وميزان المدفوعات انما هناك طرق عديدة لمعالجة هذا الموضوع من خلال الميزان التجاري بزيادة التصدير للسلع بشكل ملموس انما وايضاً الخدمات ذات القيمة المضافة العالية والتي ينتجها لبنان من سياحة وتعليم واستشفاء وخدمات مالية ومعلوماتية وغيرها.

كما يمكن العمل على تحسن ميزان المدفوعات من خلال اصحاب الرساميل وليس فقط الحساب الجاري اي ان عودة الثقة كفيلة بزيادة التحاويل من قبل غير المقيمين والاستثمار الاجنبي المباشر، اضف الى ذلك انه يمكن تعويم الصناعة من خلال تدابير مساندة (مالية - لوجستية - تسويقية - ادارية وغيرها...) وليس من خلال الحمائية الجمركية التي برهن علم الاقتصاد والتربية الميدانية بأن لها مفاعيل عكسية على الصناعي والتاجر والمستهلك وخزينة الدولة، خاصة انه في بلد مثل لبنان حيث النظام الاقتصادي قائم على الانفتاح والتبادل الحر وهو مقصد ومعبر للتجارة الداخلية والاقليمية.

ومما يزيد الطين بلة في موضوع زيادة التعرفات الجمركية وباعتراف وزير المال هو المعابر غير الشرعية التي يتفلت الاسيتراد منها وحتى من بعض المعابر الشرعية من اي ضابط قيد جمركي او مالي، مما يأتي بارتدادات مدمرة على الاقتصاد الوطني.

ويعتبر شماس ان القطاع التجاري تجنب الاسوأ نظراً للطروحات العشوائية وغير المدروسة التي تقدم بها ابعض.

ونظراً لاخراج المحروقات من اطار الضريبة سينتهي الامر حتماً بأن الارقام التي ستحقق من خلال هذا البند ستكون اقل بكثير من الارقام المتوقعة، والمآخذ الاساسي على هذه الموازنة هو انها لم تتطرق في العمق الى تخفيض الانفاق العام الذي لطالما طالبت به المؤسسات المالية الدولية، فلو ان التخفيض المنتظر في عجز الموازنة اتى اساساً من تقليص حجم الدولة لكان هذا الامر انعكس بأقل قدر من الانكماش على الاقتصاد كان مرحباص به اكثر بكثيرمن المجتمع الدولي لأن هذه الاصلاحات الادارية والهيكلية طابعها دائم وليس مؤقت.

لذا ترانا كلبنانيين نترقب ونتحذر عن ردة فعل الجهات المختصة ولا سيما وكالات التصنيف وعلى رأسها وكالة ستاندرد اند بورز التي ستقوم بتحضير تقريرها القادم عن لبنان في الاسابيع القادمة، فلو كان الاصلاح حازماً كنا رأينا ارتفاعاً كبيراً في اسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية وتشجيع طالما انتظاروه من قبل هذه الوكالات، اذا قررت لا سمح الله الوكالة ستاندرد اند بورز تخفيض تصنيف لبنان الائتماني سيطلق هذا الامر آلية جهنمية على القطاع المصرفي من خلال زيادة المؤونات والرساميل والاموال الخاصة تماشياً مع متطلبات التصنيف، وهذا التطور وحده من شأنه ان يمحي كل المفاعيل في ايجابية الموازنة نظراً لانعكاسه على المالية العامة والاقتصاد الوطني.