أكبر خطأ ترتكبه الدول الغربيّة التي تُشهِر سيف العداء في وجه إيران هذه الأيّام، والولايات المتحدة على وجه الخُصوص، إنّها تُسيء تقدير قوّة الخصم الإيراني وحُلفائه، وردود فِعلهم المُحتملة تُجاه استفزازاتها السياسيّة والعسكريّة والتّصعيد الحالي في مِنطقة الخليج، وما يتفرّع عنه من أزمات، مثل حرب احتجاز الناقلات، هو المِثال الأبرز في هذا الصّدد.

عندما حذّر السيّد علي خامنئي، المُرشد الأعلى للثورة الإيرانيّة، قبل أسبوع من استمرار بريطانيا في احتجاز ناقلة نفط إيرانيّة أثناء مُرورها عبر مضيق جبل طارق في طريقها إلى ميناء بانياس على الساحل الشمالي السوري، اعتقدت السلطات البريطانيّة في لندن، أنّ هذه التّهديدات مُجرّد كلمات جوفاء، ولن تُترجم مُطلقًا إلى خطوات عمليّة، وها هو الحرس الثوري يُنفّذها حرفيًّا، ويحتجز ناقلة نفط بريطانيُة في مضيق هرمز، قال مُتحدّث باسمه أنّها انتهكت قوانين المِلاحة المُتّبعة، واصطدمت بزورقٍ إيراني، ولوّثت مياه الخليج.

***

بريطانيا عندما أقدمت على احتجاز ناقلة النفط الإيرانيّة “غريس 1” لم تفعل ذلك لأنها اخترقت قوانين المِلاحة الدوليّة، وإنّما لأنّ التعليمات جاءتها من واشنطن والرئيس دونالد ترامب تحديدًا، وزوارق الحرس الثوري عندما أقدمت على ردّها الانتقامي باحتجاز ناقلتين بريطانيتين في مياه الخليج (أفرجت عن إحداها لاحقًا) لم تفعل ذلك بسبب حادثة الصّدام، أو تلويث مياه الخليج، وإنّما لاستخدام هذه النّاقلة كورقة ضغط على السلطات البريطانيّة لإجبارها بالقُوّة للإفراج عن الناقلة الإيرانيّة وفي أسرع وقتٍ مُمكن.

القيادة الإيرانيّة تُريد إيصال رسالة واضحة إلى الدول الغربيّة، والولايات المتحدة خاصّةً، إنّها تقول وتفعل، ولن تصمت أبدًا تُجاه أيّ خطوة عدوانيّة ترتكب ضدّها ومصالحها، وستذهب حتى نهاية الشوط دون أيّ خوف، حتى لو تطوّرت الأمور إلى حربٍ شاملةٍ، المُهم أنّها لن تُكرّر خطأ العِراق، وتخضع لحِصار اقتصاديّ لشعبها يمتد لسنوات، وتُكلّل بإسقاط النظام وتدمير البلاد، وتأمل أن تكون هذه الرسالة قد وصلت، وتم استيعاب كلماتها الواضحة.

هذه القيادة لن تسمح بتجويع شعبها ومنع صادراتها النفطيّة، ولن تُرهبها الأساطيل وحاملات الطائرات الأمريكيّة، ولن تذهب إلى مائدة المُفاوضات إلا بشُروطها، ولم تتردّد لحظةً في إسقاط طائرة تجسّس مُسيّرة اخترقت أجواءها بعدّة أمتار الشهر الماضي، وكانت وفيّةً للعهد عندما نفّذت تهديداتها بالعودة إلى تخصيب اليورانيوم بمُعدّلات أعلى من المُتّفق عليها في الاتفاق النووي، وزيادة مخزونها منه، بكميّات وبسقفٍ مفتوح، والقادِم أعظم.

المِلاحة البحريّة في مياه الخليج ومضيق هرمز كانت آمنة، ولم تُواجه أيّ مشاكل لعدّة عقود إلا بعد انسحاب الإدارة الأمريكيّة من الاتفاق النووي، وفرض عُقوبات تحظر تصدير النفط الإيراني إلى زبائنه في الصين واليابان، وتركيا، والهند، ولهذا عندما تتحدّث إدارة الرئيس ترامب عن تشكيل تحالف “الراغبين” لتأمين المِلاحة في مضيق هرمز، فإنّ على جميع الدول التي قد تستجيب لطلبها، إدراك هذه الحقيقة.

القيادة الإيرانيّة تعيش حالةً من “المزاج الانتحاري”، أو “الاستشهادي” على الأصح، ولن يردعها تحالف دولي بزعامة الولايات المتحدة، وعُضويّة بعض الدول الخليجيّة والأوروبيّة، ومن يقول غير ذلك لا يعرف هذه القيادة، واستراتيجيتها الدفاعيّة، ونوعيّة تركيبتها النفسيّة والعسكريّة، الأمر الذي سيدفعها نحو خطأ استراتيجيّ كارثيّ آخر ستدفع ثمنه الباهِظ من أمنها واستقرارها ومصالح حُلفائها في المِنطقة.

إيران قويّة ليس لأنّها تملك ترسانةً هائلةً من الصواريخ الباليستيّة، والسفن والزوارق البحريّة الصغيرة والسريعة والمُتوسّطة التي لا ترصدها الرادارات، وإنّما أيضًا لامتلاك قيادتها الإرادة، والقُدرة، على اتّخاذ القرار، بالردود الانتقاميّة على أيّ عدوان تتعرّض له، وأيًّا كانت الجِهة التي تقف خلفه.

***

في برنامج Dateline London، الأسبوعي الشهير الذي تبثّه قناة BBC التلفزيونيّة العالميّة باللغة الإنكليزيّة، سألتني المذيعة اليوم: ماذا تنصح السيدة تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانيّة، أن تفعل لو كُنت مُستشارها، تُجاه هذه الخطوة الإيرانيّة باحتجاز إحدى ناقلاتها، فأجبت بأنني لست مُستشارًا، ولن أكون أوّلًا، وأنصحها بالإفراج عن الناقلة الإيرانيّة المُحتجزة فورًا، ودون أيّ تأخير ثانيًا، والابتعاد كُلِّيًّا عن الرئيس ترامب وسياساته المُتهوّرة ثالثًا، وإلا فإنّها ستُواجه حزمةً ضخمةً من المشاكل في منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تحديدًا رابعًا.

نختِم هذه المقالة بالتّحذير من أنّ وجود الإرادة القويّة بالرّد ليست مقصورةً على القيادة الإيرانيّة فقط، وإنّما لدى كُل حُلفائها في محور المُقاومة، في سورية، في العِراق، في لبنان، في اليمن، في قطاع غزّة، وعلى ترامب أن يُدرك جيّدًا أنّ الزمن الذي كان تتدافع فيه الدول للمُشاركة في أحلافه، وخوض حُروبه في الشرق الأوسط، ولا تجِد مقاومةً شرسةً دفاعًا عن كرامتها الوطنيّة خاصّةً إذا كانت المُستهدفة دولًا تنتمي إلى محور المُقاومة، قد ولّى إلى غير رجعةٍ.. ونحنُ أمام عصر جديد مُختلف، عصر التّضحية والفِداء.. ورفض الإملاءات والابتزازات الغربيّة العُدوانيّة والتصدّي لها.. والأيّام بيننا.

عبد الباري عطوان

المصدر - رأي اليوم