بروفسور جاسم عجاقة

أقرّت الموازنة بعد 59 جلسة بين الحكومة، لجنة المال والموازنة والهيئة العامة للمجلس، 59 جلسة عاش على وتيرتها كل مواطن لبناني، وعود من قبل السلطة السياسية بخفض العجز وإنقاذ لبنان من كارثة مالية مُحتملة أرست مخاطرها أرقام العجز في العام 2018، ووعود أخرى من مؤتمر سيدر بإقراض لبنان أموالاً بهدف القيام بمشاريع بنى تحتية أساسية للنهوض بالإقتصاد اللبناني.

اليوم وبعد إقرار الموازنة، يطرح المواطن اللبناني السؤال الأساسي: ماذا بعد إقرار الموازنة؟

السيناريو الدستوري للموازنة هو أن تأخذ طريقها إلى القصر الجمهوري ليتم توقيعها من قبل فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ليتمّ

نشرها بعد ذلك في الجريدة الرسمية وتأخذ مجراها التنفيذي. بالطبع هناك إحتمال مصان في الدستور وهو أن يقوم رئيس الجمهورية بردّ الموازنة إلى المجلس النيابي لإعادة النظر فيها وهو إحتمال ضئيل نظرًا إلى الأمال المُعلّقة على الموازنة لانتشال لبنان من مُشكلته المالية.

بعد نشر الموازنة في الجريدة الرسمية سيكون هناك تفعيل للإتصالات مع الدوّل المانحة في مؤتمر سيدر لبحص إمكانية البدء بهذه المشاريع. المعروف أن الرئيس الحريري كان قد بدأ إتصالاته مع مجموعة الدوّل عبر إجتماعات قام بها في السراي الحكومي وأفضت إلى نتيجة وهي : «أقرّوا الموازنة، ونبحث بعدها بمشاريع سيدر». الموازنة أُقرّت والأن ستُعاود الإتصالات تحريك الموضوع مما يفرض فترة شهر إلى شهرين قبل البدء الفعلي للمشاريع (سيناريو تفاؤلي) وقد تذهب حتى أخر السنة في حال كان هناك عوائق (سيناريو تشاؤمي).

المشاريع وتوصيفها وكل ما إلى ذلك جاهز بحسب مصادر رئاسة الحكومة، والآلية التي تمّ الإتفاق عليها في مؤتمر سيدر هو أن تقوم الحكومة بعرض المشروع على الدول المانحة وتختار هذه الأخيرة أي مشروع تنوي تمويله أو لا. في كل الأحوال التوقّعات هو أن لا يكون هناك إقراض لأكثر من 500 مليون إلى مليار دولار أميركي هذا العام (في أحسن الأحوال).

النقطة الثانية التي تشغل بال المواطن اللبناني هو قدرة الحكومة على إحترام رقم العجز المنصوص عليه في مشروع الموازنة. هذا الرقم الذي من المفروض أن يكون 7.6% من الناتج المحلّي الإجمالي، عارضته أرقام وكالات التصنيف الإئتماني وصندوق النقد الدولي بقولها أن العجز سيكون ما بين الـ 9% والـ 10% من الناتج المحلّي الإجمالي. إذا ما على المواطن أن يُصدّق من هذه الأرقام؟

الأرقام الصادرة عن وزارة المال نهار الجمعة الماضي ضمن التقرير الدوّري عن وضع المالية العامّة للأشهر الأربعة الأولى من العام 2019، تُظهر تراجعًا واضحًا للعجز نسبة للفترة نفسها من العام 2018. فقد بلغ العجز في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 ما يوازي 1.38 مليار دولار أميركي مقارنة بـ 1.91مليار دولار أميركي على الفترة نفسها من العام 2018. وهذا يعني أن هناك قراراً مُعيّناً في الدولة اللبنانية تمّ أخذه على مستويات عالية بلجم الإنفاق مما سمح بتراجع العجز بهذا المقدار. والأهم هو أن الإستمرار على هذا النحو إلى آخر العام الحالي سيؤدّي إلى تسجيل عجز بنسبة 7.67% من الناتج المحلّي الإجمالي أي أن الحكومة ستستطيع الإلتزام بالعجز المتوقع مع أو من دون موازنة!

لكن خفض العجز هذا لن يكون دون ثمن، فخفض الإنفاق بهذه النسبة سيؤدّي إلى إنكماش إقتصادي (ركود في أحسن الأحوال) وهو ما صرّح عنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مؤتمر «يوروموني» بقوله أن النمو الإقتصادي في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2019 هو صفر بالمئة. وبالطبع وقف القروض السكنية وإنخفاض القدرة الشرائية مع إرتفاع أسعار بعض السلع المستوردة سيؤدّي حتمًا إلى تراجع كبير شبيه بما شهدناه أيام حكومة الرئيس الحص في العام 1999/2000.

ويبقى هاجس رسم 3% على السلع والبضائع المُستوّردة بإستثناء البنزين والمواد والآليات الصناعية والزراعية هو هاجس تفرضه التجارب الماضية حيث أن بعض التجار قد يستفيدون من هذه الفوضى لزيادة الأسعار بشكل عشوائي وهذا الأمر يجب أن يكون محطّ إهتمام وزارة الإقتصاد كما أعطى فخامة رئيس الجمهورية توجيهاته الذي طلب التشدّد بالرقابة.

على كل الأحوال، المرسوم الإشتراعي رقم 73/83 يمتلك كل الوسائل القانونية لضرب كل تاجر يُفكّر بالإستفادة من هذا الوضع لرفع الأسعار عن غير وجه حق. الجدير ذكره أن هذا المرسوّم جرّم التلاعب بالأسعار وهناك عقوبات مالية وجزائية لكل من يخالف أحكام هذا المرسوم.

على صعيد الكهرباء، ومع فرض ضريبة على المولدات الخاصة، من المتوقّع أن يتردّى وضع الكهرباء بشكل كبير نتيجة إزدياد ساعات القطع ونتيجة التوقّع بتخلّي العديد من أصحاب المولدات عن الإستمرار بتأمين هذه الخدمة (هناك قرار سيصدر عن تجمّع أصحاب المولدات في الأيام المُقبلة). هذا الأمر لا يتلائم والتوقعات المتزايدة بإرتفاع عدد السياح في لبنان والذي بحسب وزير السياحة سيرتفع بنسبة كبيرة وهذا أيضًا ما أكده السفير السعودي الذي توقّع أن يكون هناك ما بين 150 إلى 200 ألف سائح سعودي هذا العام في لبنان.

في ظل هذا الواقع، تبقى الفوائد المرتفعة والناتجة عن تردّي المالية العامّة عائقاً أساسياً أمام الاقتراض. وبالتالي، فإن خطّة لجم الدين العام التي أطلقها كل من رئاسة الحكومة ووزارة المال ومصرف لبنان، سيكون لها تداعيات إيجابية على الآمد البعيد خصوصًا من ناحية خفض الفوائد وتحسين تصنيف لبنان الائتماني.

وحتى ذلك الوقت هناك حاجة ماسة لاستقطاب أموال مؤتمر سيدر لبدء عملية كسر الإتجاه التصاعدي للفوائد وهذا ما يتوجّب على الحكومة العمل عليه بشكل مُكثّف. إلا أن هذه الأخيرة تعود لتصطدم بحائط أحداث قبرشمون الآليمة ومُشكلة إحالة الملف إلى المجلس العدلي. وكان الرئيس برّي قد أعلن في أول أيام مناقشة الموازنة أن الحكومة ستجتمع في الأسبوع المقبل، إلا أنه عاد وتراجع مع تشدّد أحد أطراف النزاع بموقفه.

يبقى القول أن محاربة الفساد التي نأت السلطة السياسية بنفسها عن محاربته في موازنة العام 2019، هو أساس للنهوض بالدولة اللبنانية ودعم إقتصادها والأمن الإجتماعي لمواطنيها. من هذا المُنطلق، سيكون مؤشر الفساد في الأشهر المقبلة مؤشّراً أساسياً في الحكم على التوجّه الإقتصادي والمالي العام.