في الوقت الذي تراقب الأسواق العالمية تطورات الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، جاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليضيف المكسيك إلى دائرة الحرب التجارية المشتعلة، التي من المتوقع أن تصيب العالم بالعديد من الصدمات، خصوصاً في ظل التوقعات السلبية والمتشائمة بشأن معدلات النمو العالمي وحركة التجارة وبيانات الناتج الإجمالي العالمي.

وفي قرار مفاجئ، أعلن ترمب أن رسوماً جمركية بنسبة 5 في المئة ستفرض على البضائع الآتية من المكسيك، اعتباراً من 10 يونيو (حزيران) الحالي، في إشارة إلى أن الإدارة الأميركية لن تتوقف عن فرض مزيد من الرسوم والتعريفات الجمركية خلال الفترة المقبلة.

وربما يشير هذا القرار إلى أن الحرب التجارية ستطال شركاء تجاريين كثراً لأميركا، وما بدأ في الصين وامتد إلى المكسيك سيصل غداً إلى كندا وربما أوروبا في تغيير لاتفاقات التعريفات الجمركية والتجارة العالمية المعروفة باتفاقات "الغات"، التي استغرقت حوالى 50 عاماً من الإجراءات لتحرير التجارة بين الدول وتخفيف التعريفات الجمركية.

لكن يبقى السؤال: هل اقتصاد العالم قادر على تحمل مثل هذه الصدمات في الوقت الذي تنتشر التوقعات السلبية؟

بنك "مورغان ستانلي" أجاب على هذا السؤال في مذكرة بحثية حديثة، مؤكداً أن المستثمرين يتجاهلون التهديد المتمثل في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، الذي قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود في أقل من عام.

مورغان ستانلي: العالم كله يتأثر بالحروب التجارية

قال كبير الاقتصاديين في بنك "مورغان ستانلي"، شيتان أهيا، إن المستثمرين يرون عموماً أن النزاع التجاري الذي بدأته أميركا مع الصين قد يستمر لفترة أطول، لكن يبدو أنهم يتجاهلون تأثيره المحتمل في التوقعات الكلية العالمية.

وكان ترمب قرر في مايو (أيار) الماضي رفع الرسوم على سلع صينية بقيمة 200 مليار دولار لتصبح 25 في المئة بدلاً من 10 في المئة، وسط تهديدات بفرض تعريفات مماثلة على بقية المنتجات البالغة قيمتها أكثر من 300 مليار دولار.

وأشار "مورغان ستانلي" إلى أن نتيجة الحرب التجارية في الوقت الحالي غير مؤكدة للغاية، لكنه في الوقت نفسه حذر من أنه في حال استمرار الولايات المتحدة بفرض تعريفات على الواردات الصينية الإضافية فقد ينتهي المطاف في حالة من الركود الاقتصادي في غضون ثلاثة فصول (تسعة أشهر).

وأضاف أن المستثمرين لا يقدرون بشكل كامل تأثير انخفاض التدفقات الرأسمالية، ما قد يؤدي إلى هبوط الطلب العالمي.

غولدمان ساكس: الحرب التجارية لن تتوقف

فيما توقع محللون في بنك "غولدمان ساكس" تصاعد حدة الحرب التجارية العالمية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين.

وقال المحللون في البنك، في تقرير حديث، إن هناك احتمالية بنسبة 60 في المئة لفرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية بنحو 10 في المئة على بقية الواردات الصينية، التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار، مقارنة بتقديرات سابقة حددت النسبة بـ40 في المئة.

ورفع المحللون توقعاتهم لفرض تعريفات جمركية بنسبة 5 في المئة على الواردات من المكسيك إلى 70 في المئة، مع فرصة 50 في المئة لزيادة هذه النسبة إلى 10 في المئة.

وأوضحوا أنه بمراجعة احتمالية إدخال تعريفات على واردات السيارات هذا العام إلى 40 في المئة من 25 في المئة في وقت سابق. وتوقعوا أن تصعيد الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، إلى جانب التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وجيرانها في الجنوب، ستؤثر على الأرجح سلباً في النمو.

وخفض "غولدمان ساكس" توقعاته للناتج المحلي الإجمالي الأميركي للنصف الثاني من العام بنحو 0.5 في المئة إلى 2 في المئة.

السندات الأميركية تتراجع للمرة الأولى في عامين

وفي إطار الحرب الدائرة وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لآجل 10 سنوات دون 2.1 في المئة للمرة الأولى منذ عام 2017، مع التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين الرئيسيين.

وساهمت المخاوف المتزايدة من أن نزاعات واشنطن التجارية مع الصين والمكسيك قد تعيق النمو الاقتصادي العالمي، في تكثيف التوقعات بأن الفيدرالي سيخفض معدل الفائدة بشكل حاد هذا العام.

وتراجع العائد على الديون الحكومية طويلة الآجل (يحل موعد سدادها بعد 10 سنوات) إلى 2.074 في المئة في تعاملات متأخرة من يوم الاثنين، ليكون عند أدنى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2017.

المخاطر تزيد أوجاع أسواق السندات

في تعليقه، ذكر بنك "جي. بي. مورغان تشيس"، أن الشعور المتزايد بالابتعاد عن المخاطرة قد يدفع عوائد السندات إلى مزيد من الهبوط، كما يضع فرصة بنسبة 43 في المئة لحدوث ركود اقتصادي على مدى الـ12 شهراً المقبلة.

وتوقع أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بخفض معدل الفائدة مرتين خلال العام الحالي.

وفي وقت متأخر من يوم الاثنين، انخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 2.112 في المئة. كما تراجع العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى 2.564 في المئة، بعدما سجل 2.52 في المئة في وقت سابق من الجلسة، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. كما هبط العائد على ديون الحكومة في الولايات المتحدة لأجل عامين إلى 1.892 في المئة.

أما العائد على أذون الخزانة الأميركية التي يحل موعد استحقاقها بعد ثلاثة أشهر، فبلغ 2.342 في المئة، ما يعني استمرار انعكاس منحنى العائد بينها وبين سندات الخزانة لأجل 10 سنوات.

ترمب: الشركات بدأت تهرب من الصين

وفي أحدث تغريداته التي أشعلت الحرب مع الصين، قال ترمب إن الصين تدعم منتجاتها بهدف الاستمرار في بيعها داخل الولايات المتحدة، مؤكداً أن الشركات الآن تغادر بكين.

وأوضح أن العديد من الشركات تغادر الصين إلى دول أخرى بما في ذلك الولايات المتحدة لتجنب دفع الرسوم الجمركية. وأكد أنه لا يوجد زيادة واضحة في التكاليف أو التضخم، لكن الولايات المتحدة تجني المليارات.

وربما كانت هذه التغريدة الأخيرة للرئيس الأميركي رداً على تقرير أصدرته الحكومة الصينية أخيراً ذكرت فيه، أن الممارسات التجارية تسببت في أضرار خطيرة للاقتصاد الأميركي بزيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع الأسعار وتدمير النمو وسبل العيش وخلق الحواجز على الصادرات الأميركية إلى الصين.

كيف تؤثر التوترات التجارية في النمو العالمي؟

وقبل أيام، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي عام 2019، محذراً من مزيد من التباطؤ بفعل التوترات التجارية، واحتمال خروج مضطرب لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي ثالث خفض له منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال الصندوق إن بعض الاقتصادات الرئيسية، ومن بينها الصين وألمانيا، قد تحتاج إلى اتخاذ إجراءات على المدى القصير لدعم النمو، متوقعاً تباطؤاً حاداً في أوروبا وبعض الاقتصادات الناشئة يفسح المجال أمام تسارع واسع النطاق من جديد في النصف الثاني من العام الحالي.

وتوقع الصندوق في تقرير توقعات الاقتصاد العالمي الصادر لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن، أن يتراجع النمو الاقتصادي العالمي من 3.6 في المئة عام 2018 إلى 3.3 في المئة خلال العام الحالي.

وأضاف أنه على الرغم من ذلك، فإن الفرص كبيرة لإجراء مزيد من المراجعات بالخفض، ولا يزال ميزان المخاطر يميل إلى جانب الهبوط.

وأشار الصندوق إلى أن الانتعاش المتوقع في النصف الثاني من عام 2019 سيعتمد بشكل كبير على استمرار استخدام الحكومة الصينية لمحفزات النمو، واستمرار الارتفاع في معنويات الأسواق المالية العالمية، وتراجع التأثيرات المؤقتة على النمو في منطقة اليورو، وتحقيق الاستقرار التدريجي في اقتصاديات الأسواق الناشئة، بما في ذلك الأرجنتين وتركيا.

هذه أسباب الركود العالمي

وأوضح الصندوق أن النشاط الاقتصادي العالمي قد تباطأ بشكل ملحوظ في النصف الثاني من العام الماضي، وأرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل، أهمها انخفاض النمو الصيني بسبب تشديد الإجراءات التنظيمية، وزيادة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

الصندوق أشار إلى أن اقتصاد منطقة اليورو فقد زخماً أكثر مما كان متوقعاً، حيث تراجعت ثقة المستهلك والأعمال، وتعطل إنتاج السيارات في ألمانيا بسبب تطبيق معايير جديدة للانبعاثات، وتراجع الاستثمار في إيطاليا، فضلاً عن تراجع الطلب الخارجي، خصوصاً من دول آسيا.

في الوقت نفسه، توقع البنك الدولي أن يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي في 2019 إلى 2.9 في المئة قياساً بحوالى 3 في المئة في عام 2018، وهو ما أرجعه البنك إلى تصاعد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وضعف حركة التجارة العالمية.

وأوضح البنك الدولي في تقرير بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي"، أنه في بداية 2018 كان الاقتصاد العالمي يعمل بكامل طاقته، لكنه فقد القوة الدافعة خلال العام، بل إن الطريق قد تصبح أكثر وعورة في العام الجديد.

وأشار إلى أن آفاق الاقتصاد العالمي لعام 2019 قاتمة. إذ إن التجارة والاستثمار يشهدان تراجعاً على الصعيد العالمي، ولا تزال التوترات التجارية مرتفعة.

ورجح البنك الدولي أن يتباطأ الاقتصاد الأميركي إلى 2.5 في المئة هذا العام، من 2.9 في المئة عام 2018، فيما توقع أن ينخفض نمو الاقتصاد الصيني إلى 6.2 في المئة مقارنة بحوالى 6.5 في المئة عام 2018.

وتوقع أن تسجل اقتصادات الأسواق الناشئة نمواً نسبته 4.2 في المئة عام 2019، مقابل 2 في المئة للاقتصادات المتقدمة.

الاقتصادية