نبيه البرجي

قلنا... لو خلقنا الله قردة!!

ألا يتعامل دونالد ترامب معنا كما لو أننا ما دون القردة؟ آخر ما ابتدعه لإبقاء المنطقة على صفيح ساخن، انشاء حلف لحماية الممرات المائية. مضحك هذا الرجل. بين الفينة والأخرى يتقيأ اقتراحا من هذا القبيل. اللوياجيرغا القبلية تلتئم. يحضر أصحاب العباءات، وأصحاب الصناديق. قرارات من ورق لا تلبث أن تذهب أدراج الرياح.

بدعة الأحلاف من انتاج جون فوستر دالاس الذي تولى صياغة الآليات الخاصة بنقل ادارة الشرق الأوسط من أيدي الأنكليز والفرنسيين الى أيدي الأميركيين، دون التخلي عن لغة القناصل في القرن التاسع عشر.

ألم تتحول المنطقة الى مقبرة؟ ماذا يريد الرئيس الأميركي أكثر من ذلك؟ لمرّات استعدنا لوحة بابلو بيكاسو «غرنيكا». انظروا الى ما يحدث في بلداننا البائسة. انها الغرنيكا. أشلاء القتلى تختلط برؤوس الحيوانات، وببقايا الجدران المهدمة، بعقارب الزمن الذي تحول الى حطام. لنضع باقة من الزهر على ضريح الزمن. ..

كل ذلك التقهقر (في الدم والرماد). كل تلك القهقرى (في الدم والرماد)، دون أن نفكر في تغيير طريقنا. حتى طريق الجلجلة، أيها السادة الأميركيون، انتهى بوضع السيد على الخشبة. من فضلكم، ضعونا على الخشبة. تذكروا ألاّ قيامة بعد هذا الموت. كيف تقوم الجثث المبعثرة، الأرواح المبعثرة، الأزمنة المبعثرة؟

حلف لحماية الممرات. كل تلك الأرمادا الأميركية لا تكفي. بوارج، وغواصات، وحاملات طائرات، وقاذفات نووية. وكل تلك الترسانات الخليجية لا تكفي. معهد ستوكهولم تحدث عن اسلحة بقيمة تربو عن التريليوني دولار مكدسة في المستودعات. كيف يمكن لهذه «الجبخانة» ألا تحمي مضيق هرمز وباب المندب؟

من لوّح بحل حلف شمال الأطلسي الذي لا جدوى منه، هو من دعا الى تلك السلسلة من الأحلاف الكاريكاتورية. قال «لولانا لما بقيت تلك العروش»؟ اذاً، أي نوع من الأحلاف يقوم بين الأحصنة الهرمة؟ تالياً، ألم يقل دونالد ترامب اياه أن نسبة النفط الذاهب من الخليج الى أميركا يكاد لا يذكر؟

جان دانييل كتب عن «دول داخل الأقفاص». هذه دول لا تليق حتى بالقردة...

أخبرنا صديق سوري عن ابن عم له لم يكن يمتلك من متاع (ومتع) الدنيا سوى حمار. الرجل «اشتغل» لثلاث سنوات في خدمة أحد الفصائل. قال انه نقل على ظهر هذا الحمار ما ينوف عن الملياري دولار مرسلة من احدى الدول العربية الى الفصيل اياه. خذوا علماً بأحوال العرب...

نأخذ علماً أيضاً بأن عناصر الحرس الثوري هم كائنات هبطت من كوكب آخر. قوة عجائبية ما فوق البشرية. أما مواجهة تلك الكائنات فتحتاج الى تكتل ستين دولة، بقضها وقضيضها. هذا ما حصل. النتيجة ان الدم العربي هو الذي يراق. المال العربي هو الذي يراق...

هكذا بادر دالاس، وكان وزير الخارجية في عهد دوايت ايزنهاور، الى هندسة المعمارية الاستراتيجية للمنطقة : تركيا تتولى مسؤولية بلاد الشام. ايران تتولى شؤون بلدان

الخليج. أثيوبيا تختص بوادي النيل.

جمال عبد الناصر كسر المعادلة قبل ان يتم اغتياله في حزيران 1967. قبل ذلك اغتيل على أرض اليمن، حيث كانت أكياس الدولارات تعطى لمن يأتي بالأكياس الملأى بآذان الجنود المصريين. الآذان المقطوعة.

لا نستهين بالتعبئة الحديدية للايرانيين ايديولوجياً وقومياً. هؤلاء لا يرون في العرب أكثر من اكياس من الرمل مبعثرة (عبر التاريخ) في الصحارى. لكن نفخ الرئيس الأميركي للايرانيين، بتلك الطريقة، بات أكثرمن مضحك. كلنا أمام مشهد يتقاطع فيه الكوميدي مع التراجيدي على امتداد القارة العربية.

أصحاب الأدمغة (والضمائر) النظيفة في القارة العجوز يسألون ما اذا كانت الحكومات العربية تعي أن فلسفة التأجيج التي يمارسها الثلاثي ترامب ـ بومبيو ـ بولتون قد تحوّل المنطقة، في لحظة ما، الى ركام.

هؤلاء يرون أن الشرق الأوسط، ولطالما وصفوه بـ«كرنفال الغيب»، لم يعد يتحمل كل تلك الضحايا. حتى الحرب العالمية الثانية انتهت بما وصفها هنريتش بول بـ«ليلة الملائكة بين ألمانيا وفرنسا». لعلنا نزداد يقيناً بما قاله مارك سايكس «لكأن الشيطان يحمل الشرق الأدنى على ظهره». متى نقع عن ظهر الشيطان؟

هذا كلام لا يصل الى الرؤوس المقفلة. ثمة محللون ومعلقون على الشاشات العربية، يبشروننا بأن ساعة الانفجار قد دنت. هل، حقاً، أن دونالد ترامب وعد مسؤولاً عربياً بارزاً بإزالة نظام آيات الله قبل نهاية ولايته الأولى؟

أحاديث ما وراء الضوء، (سيناريوات ما وراء الضوء) تشير الى ذلك الاحتمال. لاحظوا كيف أن التصعيد الأميركي تزامن مع عودة بعض الأطراف اللبنانية، وعلى نحو مفاجئ، الى اثارة مسألة «السلاح غير الشرعي»، كما لو أن الجمهورية لا تنؤ تحت تلك الأزمات التي تطبق عليها من كل حدب وصوب.

فتح ملف السلاح تزامن مع فرض عقوبات على النائبين محمد رعد وامين شري (لماذا هذان النائبان بالذات؟)، وعلى مسؤول وحدة الارتباط وفيق صفا. هل هي المصادفة؟ لا...

في الميتولوجيا السومرية، كلام عن «الثعبان الذي ينفث النار». ثمة باحثون يعتبرون أن هذا الكائن الخرافي أوحى بشخصية الشيطان في الديانات المنزلة. في «الميتولوجيا الراهنة»، ثعابين النار تلتف حول الشرق الأوسط...