بولا مراد

لا تشكّل العقوبات الأميركية الجديدة على مسؤولين في «حزب الله»، إحراجاً للحزب وقيادته، بقدر ما تحرج الحكومة اللبنانية بكلّ مكوناتها والدولة بكل مؤسساتها، وتفرض على لبنان معايير جديدة للتعامل مع مواطنيه ونوابه تراعي المصالح الأميركية والغربية، وتتعارض مع سيادة القانون والحصانات التي يتمتّع بها نوّاب الأمة.

العقوبات الأميركية المتصاعدة والتي شملت هذه المرّة رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد والنائب أمين شرّي ورئيس وحدة التنسيق والارتباط في الحزب الحاج وفيق صفا، ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة، إذ سبق أن استهدفت عقوبات مماثلة السيّد حسن نصر الله والشيخ نعيم قاسم وقيادات أخرى، لكن حساسيتها تكمن في كونها بدأت تستهدف النواب. وفي هذا الاطار، يؤكد مرجع قانوني أن «خطورة مثل هذه العقوبات، أنها تضرب بشكل مباشر السيادة اللبنانية، لأنها تمس إرادة الشعب اللبناني الذي اختار هؤلاء النواب لتمثيله في الندوة البرلمانية». وأشار الى أن «الدستور ينص في مقدمته على أن «الشعب مصدر السلطات، وبالتالي فإن ما حصل وبغض النظر عن جدوى فعاليته أو عدمها، فإنه يضرب أسس الحياة الديموقراطية في لبنان، ويفرض تحدياً غير مسبوق على الحكومة ورئيسها».

إمعان الإدارة الأميركية في اعتماد هذه السياسة، بات أبعد من رفع منسوب الضغط على «حزب الله»، لتتحوّل الى ضغط مباشر على لبنان الرسمي، ومحاولات حثيثة للفصل بين الدولة وحزب الله بشكل كامل، وهو ما يستحيل تحقيقه، ولا يستبعد المرجع القانوني مزيداً من الضغوط على الحزب في الأشهر المقبلة، داعياً الى «ترقّب الأحكام التي ستصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان خلال شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير، وما ترتبه تلك الأحكام من تداعيات على الساحة اللبنانية، إذ تبدو في مؤشراتها إدانة لكوادر الحزب المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لإحداث شرخ داخلي». ولفت الى أن «وفود المحكمة التي تواظب على زيارة لبنان شهرياً، تسعى الى جسّ النبض وتلمّس ارتدادات الحكم على الساحة اللبنانية».

ولا تنفصل الإجراءات الأميركية الجديدة ضدّ الحزب، عن الضغوط المتزايدة على ايران، بدليل أن وزارة الخزانة الأميركية اتهمت النائب محمد رعد بـ «إعطاء الأولوية لأنشطة الحزب الأمنية والعسكرية، وضرب الاستقرار وارخاء في لبنان»، كما اتهمت النائب أمين شرّي بـ «الارتباط بقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني». وفيما يلزم الحزب الصمت ويتجنّب أي ردّ على القرار الأميركي الذي سيردّ عليه السيد حسن نصرالله غداً الجمعة، فإن مصادر سياسية مقرّبة من «حزب االله» اعتبرت أن «مبررات العقوبات لا يمكن اسقاطها على الاتهامات الموجهة الى النائبين رعد وشرّي». وسألت «كيف يعقل الربط بين دور النائب رعد كرئيس لكتلة نيابية كبيرة ورئيس للمجلس البرلماني في الحزب أن تسند اليه اتهامات عسكرية وأمنية؟»، ورأت أن «ما يثير الاستغراب أكثر هو اعتبار أن النائب شرّي ابن بيروت وممثل العاصمة في الندوة البرلمانية، مرتبط بقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني».

ورغم أن العقوبات المالية لا تؤثر في التحويلات المالية العائدة للنائبين رعد وشرّي باعتبار أن رواتبهما تحوّل الى حساباتهما بالليرة اللبنانية، الا أن مصدراً مصرفياً لم يخف أن هذا القرار «يزيد من تعقيدات التعاملات المصرفية مع نواب الحزب، وصعوبة فتح حسابات بأسمائهم، وإخضاع عمليات السحب والايداع لتدقيق محكم». ويشير المصدر المصرفي الى أن «مثل هذه العقوبات أكثر من يهتم بها القطاع المصرفي، لأنها تضع المصارف تحت المجهر، وتزيد من حدّة الرقابة المسبقة ومراسلات المساءلة والاستفسار عن تحويلات هنا وأخرى هناك».

وإذا كان مصرف لبنان قادراً على اعتماد وسائل تجنّب المصارف الوقوع في محظور العقوبات الأميركية، وتحول دون التضييق على شريحة من الشعب اللبناني، تتجه الأنظار الى الحكومة، لترقب كيفية تعامل مجلس الوزراء مع الضغوط الأميركية، ومحاولة التوفيق بين حفظ التوازنات الداخلية، وبين تجنّب الصدام مع واشنطن وما له من أثمان على الوضعين الاقتصادي والنقدي، واعتبر مصدر وزاري أن العقوبات الأميركية الجديدة تثير الريبة، ورأى فيها محاولة «لهزّ الاستقرار الداخلي، وخصوصاً أنها تأتي على أعتاب إقرار الموازنة والانصراف الى تطبيق الإصلاحات المالية والاقتصادية، والبدء بتطبيق مقررات «مؤتمر سيدر»، مبدياً تخوفه من أن «تكون العقوبات مقدمة للتنصل من وعود «سيدر» ودعم لبنان، بذريعة عدم تطبيق العقوبات الأميركية على الحزب ومسؤوليه».