نبيه البرجي

حين قيل، غداة الانتخابات البلدية المعادة في اسطنبول «لقد سقطت قبعة السلطان من اعلى المئذنة»!

حتى داخل حزب العدالة والتنمية من يقول «بعدما تصور أن دمشق هي الباب الى الجنة، ها هي تبدو وكأنها الباب الى جهنم». لم تسقط المدينة. حاول عبر احدى القنوات أن يمد يده. بشار الأسد قال «لا للثعبان...».

الآن، في أوساط الحزب الكثير من الضجيج، والكثير من القلق. دعوات الى اعادة النظر في السياسات. بالدرجة الأولى، أن يعيد رجب طيب اردوغان النظر برجب طيب اردوغان. حتى اللحظة، ما زال يتصرف كديكتاتور لا ينظر الى الذين حوله الا كما كان الباب العالي ينظر الى... الحرملك.

العلاقات متردية، أو ملتبسة، أو مرتبكة، مع الجميع. في رأسه أن وكالة الاستخبارات المركزية هي من أعدت المحاولة الانقلابية ضده بالتنسيق مع فتح الله غولن. هذا الرجل الذي يرتدي الأبيض يبدو كما الشبح الأسود في رأس الرئيس التركي.

الى الساعة، ما زال يزج بالمشتبه بهم في السجون. الدفعة االخيرة: 250 عسكرياً وعشرة مدنيين.

انتخابات اسطنبول زعزعت عظامه. هو صاحب القصيدة الشهيرة التي شكلت الخطوة الأولى نحو الصعود.

«المساجد ثكناتنا، قببنا خوذاتنا، المآذن حرابنا، المؤمنون جنودنا».

انه يسقط من أعلى المئذنة. بعد انشقاق عبدالله غول واحمد داود أوغلو، نائب رئيس الوزراء السابق، وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، علي باباجان يعلن استقالته من الحزب، ليتجه الى انشاء حزب معارض مع رئيس الدولة السابق عبدالله غول.

باباجان ليس بالرجل العادي في فريق اردوغان. كان وزيراً للاقتصاد، ووزيراً لشؤون الاتحاد الأوروبي، ووزيراً للخارجية، ثم نائباً لرئيس الوزراء. ما قاله في الاستقالة ادانة مدوية لمن يتولى ادارة السلطة. «... لكن في السنوات الأخيرة برزت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في الكثير من أنواع النشاطات، ما شكّل صدمة كبيرة بالنسبة اليّ»..

اذ لاحظ أن تركيا «تواجه تحديات جمّة»، اعتبر أنها «بحاجة، في الظروف الراهنة، الى رؤية جديدة للمستقبل، ولا بد من محللين محترفين واستراتيجيين، الى جانب البرامج الحديثة التي تتفاعل مع روح الزمن».

باباجان رأى أن بقاءه في الحزب بات مستحيلاً. كلامه كان موجهاً الى اردوغان الذي حوّل حزباً، بديناميكية ايديولوجية وسياسية عاصفة، الى منظومة قبلية، مع الحديث عن «تقهقر بنيوي» في الداخل تزامن مع تراجع اقتصادي انعكس على سعر صرف الليرة التي في تدن متواصل.

سلاحه الآن، التنقيب عن الغاز عند شواطئ قبرص. اعتراضات من كل حدب وصوب. مصر قلقة. متى تتخلى عن ديبلوماسية... فاتن حمامة؟

الصحافي البارز جنكيز تشاندار الذي اختار المنفى سبق ورأى فيه الميدوزا، الكائن الخرافي الذي تتصاعد من رأسه الأفاعي. الأفاعي تعود الى الرأس. الروس ينظرون اليه بارتياب. لا يفهمون لماذا يصر على احتضان عشرات الآلاف من عناصر «جبهة النصرة» في مناطق ادلب الا اذا كان أبو محمد الجولاني قد التحق بجماعة» الاخوان المسلمين» .

المئات من النيوانكشارية تم ارسالهم الى ليبيا لمقاتلة خليفة حفتر، وقد وصفه اردوغان بـ«القرصان»، بعدما تحول هذا البلد، بكل مواصفات الفردوس المالي، الى غرنيكا سياسية. اشلاء جغرافية وتتناثر فوق الرمال.

لماذا لا يبعث بالآلاف الى غزة لمقاتلة الاسرائيليين؟ على الأرض، ضد سوريا، وضد العراق، وضد مصر، وضد السعودية . على الورق ضد اسرائيل !!

الحل في تركيا كان يأتي من الثكنات . الجنرالات يقفون وراء الباب. المؤسسة العسكرية تحولت، في عهد رجب طيب اردوغان، الى شظايا قبلية. ميليشيات داخل الجيش، وأكثر الجنرالات كفاءة وراء القضبان.

مثلما لم ينل ثقة الروس بعد ابتياع منظومات «اس.اس ـ 400 «، الأميركيون الذي استقبلوا أمير قطر الشيخ تميم بحفاوة استثنائية وتنطوي على دلالات بالغة الحساسية، يصفون الرئيس التركي بـ«حصان طروادة» داخل حلف الأطلسي.

تعليقات الصحف في الولايات المتحدة تتوقع مفاجآت وشيكة في تركيا. حديث عن انشقاقات مثيرة عقب انشقاق باباجان الذي يحظى بصدقية عالية لدى النخبة في حزب العدالة والتنمية.

قناعتهم في دمشق أن اردوغان «الثعبان الذي احترف المكيافيلية بأكثر مظاهرها عتوّاً»، لا بد ان يلفظ أنفاسه الأخيرة قريباً . الأميركيون موجودون في زوايا الدولة العميقة، ويحفرون في جدران القصر الذي أراده أن يكون أكثر فخامة، ومهابة، من قصر يلدز...

الذي لم يتمكن من تعليق فتح الله غولن على حبل المشنقة في ساحة «تقسيم» في اسطنبول، يقترب من حبل المشنقة. كثيرون في تركيا يتوقعون له نهاية مماثلة لنهاية رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس الذي كان أول من حاول تقويض البنية الأتاتوركية للدولة.

مندريس كان من بين نجوم «حلف بغداد» الذي ابتدعه جون فوستر دالاس لمواجهة جمال عبد الناصر. غالباً ما

يرمي الأميركيون بحلفائهم عند أبواب المقبرة.

الشيء الوحيد الذي يؤمن له التغطية الآميركية الآن هو وجوده ( ولمصلحة واشنطن وتل أبيب) على الأرض السورية. هذا ما يثير سخط الروس الذين ينتظرون «تفككه» الى الدرجة التي لا يعود أمامه من سبيل سوى الارتماء في أحضان القيصر.

الأميركيون يتعقبونه خطوة خطوة. يرون فيه «الورقة الساقطة»، وهو ما ظهر جليّا في موقفهم من قضية طائرات الشبح «اف ـ 35 ». الخيط الرفيع هو الخيط السوري.

بالرغم من محاولته تقويض الدولة في سوريا، وفي استخدام ورقة ادلب لاشراك «الاخوان المسلمين» في السلطة (وهو المستحيل)، الايرانيون لا يجدون مناصاً من التعاون التكتيكي مع رجب طيب اردوغان. البوابة التركية شديدة الأهمية بالنسبة اليهم في ظل العقوبات القاتلة.

لا أحد في المنطقة، لا أحد في العالم، يقول أن رأس رجب طيب اردوغان سيبقى مكانه ...