ابراهيم ناصرالدين

لم يكن اعلان وزارة الخزانة الاميركية فرض عقوبات على ثلاثة مسؤولين من حزب الله «مفاجئا» بالنسبة الى قيادة الحزب، فالامر مرجح ومتوقع منذ فترة طويلة ومقدماته وصلت الى بيروت قبل فترة عقب زيارات الوفود اللبنانية الرسمية وغير الرسمية التي جاءت بردود اميركية واضحة حيال تحييد القطاع المصرفي عن العقوبات المؤذية، وذلك حفاظا على استقرار الدولة اللبنانية ومنع انهيارها.. لكن الاميركيين كانوا صريحين وواضحين بانهم لن يتراجعوا عن ممارسة الضغوط على حزب الله، وألمحوا الى ان الامر سيطال ايضا من يدعمه على الساحة اللبنانية، تاركين هامشا واسعا لابتزاز شخصيات واحزاب يرون فيها قوى حليفة للحزب... لكن هل «للرسالة» الاميركية ابعاد اخرى؟

انه دونالد ترامب، تقول اوساط مقربة من الحزب، فالرجل لا يخفي نواياه السيئة تجاه حزب الله في لبنان، وكل محور المقاومة في المنطقة، وما اقدمت عليه واشنطن امر طبيعي ينساق مع استراتيجية الرئيس القائمة على وضع «خصومه واعدائه» وحتى «حلفائه» تحت الضغط الاقتصادي، وهو يمارس «لعبته» الى النهاية بعد ان قدم نفسه للاميركيين على انه «التاجر» الناجح الذي يحقق «الارباح» من خلال ادارة عملية ابتزاز لا تقف عند اي حدود اخلاقية، وهو يمارس سياساته مع الاوروبيين ومع الصين وكوريا الشمالية وسوريا وحتما ايران، ولذلك فان حزب الله ليس استثناءا في هذه المعادلة التي لم يثبت نجاحها حتى الان الا مع بعض دول الخليج التي تدفع اموالا طائلة مقابل حمايتها... اما الدول الاخرى فما يزال الصراع مفتوحا ولن يقفل الحساب معها في وقت قريب لان ترامب الذي بدا المعركة لن يستطيع كتب نهايتها..

وتجزم تلك الاوساط، بان العقوبات الجديدة لن تترك اي اثار مباشرة او جانبية على حزب الله او مسؤوليه المستهدفين، وما حصل «رسالة» سياسية لا اكثر ولا اقل، ولا جديد فيها، لان كل المنظومة المالية الخاصة بحزب الله تعمل خارج الاطر التقليدية المعتمدة حول العالم، والحزب يعمل خارج النظام المصرفي العالمي الخاضع لهيمنة المؤسسات الاميركية المالية والامنية، وقد تبين منذ فترة طويلة للاميركيين ان حزب الله لا يملك اي حسابات مالية في البنوك اللبنانية، ووزارة الخازنة الاميركية تعرف ايضا ان مسؤولي الحزب الثلاثة لا يملكون حسابات في المصارف، لكن المطلوب الاستمرار بالضغط على الحزب بشتى الطرق..

وتقول تلك الاوساط، لو اتخذت واشنطن قرارا برفع الحزب عن لوائح «الارهاب»، لكان الامر قد شكل حدثا سياسيا ان لم يكن «زلزالا»، ولذلك ما حصل امر متوقع ومنطقي ومن الطبيعي ان تتدرج العقوبات الاميركية صعودا في هذه المرحلة الدقيقة في ظل «الكباش» القاسي المتصاعد بين الادارة الاميركية وطهران، واذا كان المرشد الايراني السيد علي خامنئي ووزير الخارجية محمد جواد ظريف قد ادرجا على لائحة العقوبات مؤخرا، فليس مفاجئا ان يطال الامر مسؤولا امنيا ونوابا في الحزب الذي يعتبر جزءا من هذه المواجهة، وليس طرفا محايدا، خصوصا ان السيد حسن نصرالله كان شديد الوضوح عندما اعلن ان اي حرب تستهدف ايران ستشعل المنطقة بكاملها، وقد فهم الاميركيون جيدا «رسالته» وادركوا معانيها، ولذلك يبدون مصممين على رفع منسوب المواجهة مع الحزب بهدف ابقائه تحت الضغط لسببين الاول داخلي، والاخر خارجي.

على المستوى الاقليمي تحتاج واشنطن الى تذكير الحزب انه تحت «المجهر» في محاولة للحد من قدراته على التاثير في ملفات المنطقة الساخنة، وهي تدرك جيدا حقيقة ما يملكه السيد نصرالله من «وزن» في دوائر القرار لدى دول المحور «المعادي» لها، ولذلك تبقى حريصة على رفع منسوب المواجهة معه للحد من «خطورته... اما الشق الثاني من الاهداف الداخلية فهو لا يقل اهمية عن الشق الخارجي، فواشنطن تعمل منذ فترة «لعزل» الحزب داخليا من خلال تعميم «استراتيجية» «الخوف» على حلفائه في محاولة لإبعادهم عنه، وهي تأمل ان تؤتي العقوبات المالية ثمارها على هذا الصعيد، لانها تعرف حقيقة مشاركة كل هؤلاء في المنظومة المالية الاعتيادية والتي تستطيع ايذاءهم من خلالها، ولذلك فهي تتدرج صعودا في استهدافاتها، ومع «طرق» «ابواب» المجلس النيابي من خلال وضع النائبين محمد رعد وامين شري على لوائح العقوبات، تكون قد تقدمت خطوة الى الامام في توسيع «الهوامش» التي تعتقد انها ستكون مؤذية لحلفاء الحزب، ووفقا لمعلومات ديبلوماسية غربية، تراقب واشنطن عن كثب «رد فعل» هؤلاء «لتبني على الشيء مقتضاه»، فيما دخل العديد من الشخصيات المرشحة للدخول الى لوائح العقوبات اتصالات بعيدة عن الاضواء لتحييد مصالحهم عن التزاماتهم السياسية...!

وفي هذا الاطار، لا تستبعد تلك الاوساط، وجود رابط بين توقيت «الرسالة» الاميركية وتعثر المفاوضات بين لبنان واسرائيل حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، حيث تحمل واشنطن رئيس مجلس النواب نبيه بري المسؤولية المباشرة عما تعتبره «تعنت» الموقف اللبناني، ومن هناك يمكن فهم الاستهداف المباشر لمؤسسة مجلس النواب بالعقوبات، فاختيار النائبين رعد وشري يبدو انه «عشوائي» ولا يرتبط بأي معطيات شخصية، وكان يمكن اختيار اي اسمين آخرين من كتلة الوفاء للمقاومة، لكن يبدو ان الاميركيين جادون هذه المرة في توجيه «رسالة» تحذير الى الرئيس بري بان مؤسسته غير «محصنة» وان «العين» الاميركية «حمراء» تجاه مواقفه، وهي وجهت «رسالة» الى بري من «بوابة» حزب الله هذه المرة، وهذا ما يفسر مسارعة رئيس المجلس الى الرد على «التحدي» الاميركي بموقف «شجاع» وواضح من خلال توصيف القرار بأنه «لامعقول» وإعتداء على المجلس النيابي وعلى كل لبنان وعلى ديموقراطيات العالم... اي ان رئيس المجلس يقول ان «الرسالة» وصلت، وهذا جوابي، لا تراجع عن الثوابت والحقوق الوطنية، ولا مساومة على المقاومة... «ونقطة على السطر»..

ووفقا لتلك الاوساط، يثمن حزب الله عاليا موقف الرئيس بري، وينتظر مواقف رسمية مشابهة من الحكومة والمسؤولين اللبنانيين، ليس دفاعا عنه بل عن السيادة الوطنية التي لن تتوانى الادارة الاميركية عن تجاوزها اذا ما شعرت بضعف رد الفعل اللبناني الرسمي، اما معركة الحزب مع اميركا واسرائيل فستبقى مفتوحة، وهو قادرعلى خوضها بقدراته الذاتية وقد جهز نفسه لهذا اليوم، وتدرك واشنطن ان معركتها المالية معه مؤثرة، لكنها غير حاسمة، ولن تعطي النتائج المرجوة، بعدما نجحت قيادة حزب الله في تقليص الخسائر الى حدودها الدنيا، وتجاوزت المرحلة الصعبة... وبانتظار اطلالة السيد حسن نصرالله يوم الجمعة بما ستحمله من مواقف حاسمة، يبقى السؤال حول كيفية مقاربة السلطات اللبنانية لهذه العقوبات... فهل يستدعي وزير الخارجية جبران باسيل السفيرة الاميركية للاحتجاج او اقله للاستيضاح، ام ثمة حسابات اخرى؟