من جديد، عادت التحذيرات الرسمية من سوق العملات الرقمية، لكن هذه المرة جاءت من بريطانيا التي بدأت بالفعل في قيادة حرب شرسة على العملات الرقمية التي تواجه قائمة طويلة من الاتهامات، التي تتعلق بتبييض الأموال ودعم الجماعات المتطرفة على مستوى العالم في أعمالها التخريبية.

وحذر تقرير حديث من أن البنوك والسوق الرسمية للصرف والعملات هي الضحية الرئيسة لهذه السوق التي تتنامى بشكل كبير خلال السنوات الماضية، فبعدما كان عدد العملات الرقمية لا يتجاوز 7 عملات خلال العام 2013، قفز حجم العملات الرقمية ليسجل في الوقت الحالي نحو 2259 عملة، بعد إضافة نحو 2252 عملة بنسبة زيادة تقدّر بنحو 32171%.

وأمس، أعلنت هيئة السلوك المالي في بريطانيا أنها تخطط لحظر مبيعات المشتقات المالية الخاصة بالأصول المشفرة لصالح المستثمرين الأفراد، حيث إنها تسعى إلى التضييق على المنتجات المحفوفة بالمخاطر المالية.

وقالت الهيئة التنظيمية، في بيان على موقعها، إن العملات الإلكترونية لا تمتلك أساسا موثوقا به من حيث القيمة، حيث إن الجرائم المالية وانتهاكات السوق سائدة في السوق الثانوية بالنسبة إلى الأصول الرقمية.

وقدرت الهيئة أن الحظر على تجارة التجزئة قد يمثل استفادة للمستثمرين تتراوح بين 75 مليون إسترليني (94 مليون دولار) إلى 234.3 مليون إسترليني (292.87 مليون دولار) سنوياً.

ويستطيع مستثمرو التجزئة في المملكة المتحدة المضاربة على العملات الإلكترونية من خلال الصكوك الاشتقاقية المعقدة والمحظورة على نحو واسع في الولايات المتحدة، وتسمح تلك الأدوات للمتداولين الهواة بتنفيذ رهانات محفوفة بالمخاطر على الأصول دون امتلاكها.

مكاسب ضخمة أعقبها خسائر عنيفة خلال ساعات

وربما ما حدث خلال الأيام الماضية في سوق العملات الرقمية يشير إلى أن التعامل فيها تحوّل من المضاربة والمغامرة إلى مقامرة غير محسوبة، حيث قفزت القيمة الإجمالية للسوق من مستوى 199 مليار دولار إلى مستوى 379 مليار دولار خلال ساعات، ثم عادت لتهوي مرة أخرى إلى مستوى 237 مليار دولار، لتستقر في الوقت الحالي عند مستوى 331 مليار دولار.

وقبل أيام، أعلنت هيئة رقابية عالمية أن الشركات المرتبطة بالعملات الإلكترونية سيُجرى إخضاعها لقواعد بهدف منع إساءة استخدام عملات رقمية، مثل بتكوين، لغسل أموال، وذلك في أول محاولة تنظيمية على مستوى العالم لتقييد قطاع يتنامى سريعا.

وطلبت قوة مهام العمل المالي "فاتف"، التي أنشئت قبل 30 عاما لمكافحة غسل الأموال، من الدول تشديد الإشراف على بورصات العملات الرقمية لمنع استخدام تلك العملات لغسل أموال.

ويعكس هذا التحرك من "فاتف"، التي تضم دولاً مثل الولايات المتحدة والصين وهيئات مثل المفوضية الأوروبية، قلقا متزايدا بين الوكالات الدولية لإنفاذ القانون من أن العملات الرقمية يُجرى استخدامها لغسل أموال من متحصلات الجريمة.

وذكرت "فاتف" أن الدول سيُجرى إجبارها على تسجيل والإشراف على الشركات المرتبطة بالعملات الرقمية، مثل البورصات والقائمين على حراسة الأصول، الذين سيتعين عليهم إجراء فحوص مفصّلة بشأن العملاء والإبلاغ عن الصفقات المشبوهة.

بنك إنجلترا يحذر من عملة "فيسبوك"

كما أصدر بنك إنجلترا نتائج مراجعة مستقلة لمستقبل قطاع التمويل، تزامناً مع إعلان "فيسبوك" و27 شريكاً تجارياً خطة لإصدار عملة رقمية عالمية "ليبرا"، مع نظام دفع خاص بها، وهو الأمر الذي يستدعي حذر المنظمين.

ووفقاً لتقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، فإن ثورة المعلومات التي يقودها الذكاء الاصطناعي الآن، ستحدث طفرة في أعمال التمويل، نظراً لما تحمله من فرص ضخمة متمثلة في إجراء عمليات الدفع بشكل أسرع وأرخص، وتقديم خدمات مالية وإدارة مخاطر أفضل.

وذكر التقرير أن هناك تراجعاً كبيراً في الاعتماد على النقد، مقابل نمو ضخم في حجم المدفوعات الرقمية، ففي الصين، على سبيل المثال، تقود خدمات "آنت فاينانشيال" ثورة ضخمة في مجال الدفع، وتزامناً مع ذلك تحاول "فيسبوك" خلق منافس عالمي.

وألمح التقرير إلى أن شركة "فيسبوك" ربما تبحث من خلال عملتها الرقمية عن النفوذ، بخاصة وأن قطاع التمويل أحد جوانب البنية التحتية الحيوية، ومن المرجح أن تؤدي زعزعة الاستقرار المالي إلى أزمة اقتصادية حادة، وقد أثبتت الابتكارات غير المفهومة في كثير من الأحيان قدرتها على خلق مثل هذه الأحداث، لذا من الضروري فهم آثار الابتكارات الكبيرة مثل "ليبرا".

التعامل بسياسة العقل المفتوح وليس الباب المفتوح

وقال محافط بنك إنجلترا، مارك كارني، إن المصرف المركزي للبلاد يتعامل مع "ليبرا" بعقل مفتوح، وليس بسياسة الباب المفتوح، ومن منطلق هذه التصريحات ينبغي على "كارني" وغيره أن يطرحوا تساؤلاً مهماً، وهو: هل يمكن الوثوق بمثل هذا الابتكار الحسّاس للغاية؟

وبيّن التقرير أن شركة "فيسبوك" لم تكن على مستوى المسؤولية المرجو منها وأثّرت على الديمقراطية، ومن الواضح أنه لا يمكن الوثوق بها فيما يتعلق بأنظمة الدفع، لكنها قررت أن يكون لها صوت واحد في جمعية "ليبرا"، التي ستتمتع بنظام إدارة مستقل في جنيف.

وتهدف الجمعية التي ستشرف على المشروع إلى ضم 100 عضو قبيل طرح العملة في عام 2020، لكن يبدو أن "فيسبوك" ستهيمن على حق التطوير التقني لـ"ليبرا"، وهو ما يعطيها نفوذاً لا حدود له.

انتشار استخدام العملات الرقمية يستدعي التدقيق

وذكرت "فاينانشيال تايمز" أن رئيس مجلس الاستقرار المالي، راندال كوارلز، كان محقاً عندما أخبر قادة دول مجموعة العشرين أن الاستخدام الواسع النطاق لأنواع جديدة من العملات الرقمية بغرض تسوية مدفوعات التجزئة يستدعي التدقيق المكثف من السلطات وإخضاعها لمعايير عالية.

لكن بِغضّ النظر عن الشكوك حول الرعاة، فإنه يجب تقييم أي نظام دفع عالمي جديد وفقاً لقدرته على الاستقرار من الناحية التقنية والأثر النقدي والمالي (تحديداً في البلدان النامية)، ومدى تسهيله معاملات المحتالين والمجرمين والإرهابيين، كما ستكون هناك أسئلة جوهرية حول تركز السلطة الخاصة به.

وستكون القيمة مدعومة بالكامل باحتياطي من الأصول الحقيقية، حيث سيتم الاحتفاظ بسلة من الودائع المصرفية والأوراق المالية قصيرة الأجل في الاحتياطي مقابل كل عملة "ليبرا" يتم طرحها للتداول لتعزيز الثقة في النظام الجديد.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه القيمة ستكون عرضة لتقلبات أسعار العملات والصدمات المالية، بما في ذلك ضوابط سوق الصرف، وهو ما قد يشكل إزعاجاً للمستخدمين، وسيتعين على المنظمين تقييم حالات عدم الاستقرار المرتبطة بالنظام الخاص بها.

التقرير ذكر أن الأمر الأكثر أهمية هو ضرورة تحلي النظام بالقوة والمقاومة للاختراقات وحماية الخصوصية الشخصية، وأن يكون شفافاً بما فيه الكفاية للمنظمين والسلطات القضائية وغيرها من الجهات ذات النفوذ القانوني.

البنوك تتصدر ضحايا العملات الرقمية المشفرة

وأشار التقرير إلى أن البنوك والسوق الرسمية للصرف هي الضحية الرئيسة لهذه السوق الجديدة، بخاصة وأن القضية الحاسمة المتعلقة بعملة "ليبرا" تتمثل في كيفية تفاعلها مع البنوك التقليدية، فقد تحرمهم الوصول إلى قاعدة كبيرة من العملاء في جانب المدفوعات، لكن في المقابل ستحتفظ جمعية "ليبرا" بودائع ضخمة في المصارف.

كما أن نظام مثل "ليبرا" قد يعطل أنظمة الدفع التقليدية التي تنظمها البنوك، وقد تفقد المصارف ميزتها التاريخية كمقرضين مطلعين على قدر هائل من بيانات العملاء، حيث سيصبح نظام "فيسبوك" مقرضاً كبيراً بفضل معرفته الواسعة بالعملاء.

وبحسب التقرير، فإن أسوأ سيناريو يتمثل في أن هذا العالم سوف يصبح بنكاً رئيساً واحداً تهيمن عليه "فيسبوك"، ما يثير مخاطر عدم الاستقرار النقدي والمالي، وتركّز القوة الاقتصادية والسياسية لدى طرف واحد، مع الافتقار إلى الخصوصية وعدم تمكن الحكومات والدول من السيطرة والقيام بعمليات رقابية على هذه الأموال والاستثمارات الضخمة التي يستقطبها سوق العملات الرقمية.

انديبندنت عربية