حسن سلامه

بفارق بسيط من الوقت، صدر خلال الايام الماضية تقريران - اي تقييمان سلبيان من المالية والاقتصاد في لبنان، الاول هو تقرير موديز الاميركية والثاني ما وصف بنصائح صندوق النقد الدولي، وفي التقيمين نظرة سلبية اقرب الى «دق ناقوس» الحاضر لما قد يواجه لبنان في المرحلة المقبلة، على المستويين المالي والاقتصادي، اذا لم تعمد الحكومة ومعها السلطات المالية الى اجراءات، وفق تقييم «موديز» وصندوق النقد الدولي، تخرج الواقع الاقتصادي والمالي المأزوم من خطر دخول البلاد في وضع اكثر دقة مما هو عليه اليوم.

ويلاحظ مصدر سياسي مالي ان هناك شكوكاً وعلامات استفهام حول توقيت صدور التقريرين على خلفية الانزعاج الاميركي من مواقف لبنان بما خص جملة واسعة من المسائل والقضايا التي تنظر اليها واشنطن بصورة معاكسة للموقف اللبناني، من مسألة ترسيم الحدود البحرية والبرية مع كيان العدو الاسرائيلي، الى ما له علاقة بالسعي الاميركي لتسويق صفقة القرن والتوطين والمقاومة، خصوصاً ان «موديز» وصندوق النقد الدولي تحركهما المصالح الاميركية كما ان ما تقترحه المؤسستان من معالجات للخروج من الواقع الاقتصادي المالي الصعب. بدءاً من اعتبار الحكومة ان الاجراءات التي اتخذتها في الموازنة ستفضي الى خفض العجز الى نحو 7.5 بالمئة بينما صندوق النقد يرى ان هذه الاجراءات لن تخفض العجز اكثر من 9.75 بالمئة، والاخطر - وفق تأكيد المصدر ان ما تضمنه تقرير صندوق النقد الدولي من حيث الدعوة لكي يحدد السوق العائد على ادارات الدين العام، ما يعني زيادة كبيرة على فوائد الدين، لان الواقع المالي والاقتصادي وحتى السياسي سيفضي الى رفع الفوائد، في ظل تراجع التدفقات والاستثمارات من الخارج، وفي ظل الجمود الذي تواجهه الحركة الاقتصادية، كما انه يدعو الحكومة الى زيادة الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الرسوم على المحروقات، ستؤدي الى مزيد من التأزم الاقتصادي والحياتي، لان لجوء الحكومة الى هذه الخيارات سيقود حكماً الى مزيد من الركود الاقتصادي وحتى المالي، والى مزيد من معاناة المواطن وتفاقم ازماته اليومية، وبالتالي دخول لبنان في مرحلة من عدم الاستقرار الاجتماعي والحياتي، واضطرار الفئات الشعبية واصحاب الدخل المحدود الى تصعيد تحركاتهم الشعبية على كل المستويات، وهو ما سيؤدي في المقابل الى مزيد ن الشلل في الدولة ومؤسساتها، رغم ان هناك بعض الامور الجيدة التي تضمنها التقريران، منها اجراءات لخفض مستويات الفساد وتشريع تنفيذ خطة الكهرباء، بينما دعوة «موديز» الى اعادة هيكلة الدين سيفتح المجال امام توترات سياسية بين اطراف الحكومة، على اعتبار ان هناك اختلافات كبيرة بين اطرافها حول هذه المسألة.

لكن المصدر السياسي - المالي يرى ان توصيف التقريرين للوضع الاقتصادي والمالي قريب جداً مما يواجهه لبنان، بما في ذلك المخاطر المحتملة لاحقاً، وذلك على خلفية جملة واسعة من التعاطي السيئ للحكومة مع الآليات والاجراءات المفترضة لوضع البلاد على سكة المعالجة والعودة وعدم حصول ازمات أخطر في المدى المتوسط، ويحدد ابرزها الاتي:

1- غياب الرؤية الشاملة لدى الحكومة بما خص الخطوات المطلوبة في مسائل كثيرة، بل والاخطر استمرار التوترات السياسية بين اطراف السلطة، التي ترتد تداعياتها بشكل سلبي كبير على الداخل اللبناني، بما في ذلك امكانية تطبيق الاجراءات المقترحة في مشروع الموازنة بدءاً من إطالة أمد النقاشات البيزنطية منذ اكثر من شهرين حول الخطوات المقترحة لتخفيض العجز.

2- هناك عجز شبه كامل حول امكانية الاتفاق على مسألة النزوح السوري خصوصاً، والعلاقة مع سوريا بشكل عام، ما يؤدي الى تعريض لبنان لخسائر ضخمة ليس فقط نتيجة الفوضى في التعاطي مع النازحين وعدم الاتفاق مع دمشق لاعادتهم بالتدرج، بل أيضاً لفقدان لبنان مزايا ايجابية ضخمة مالياً واقتصادياً وحياتياً نتيجة «طمر الرؤوس في الرمال» عما يستفيد منه لبنان في كل قطاعاته من اعادة العلاقة مع سوريا الى طبيعتها بعيداً عن الاخذ بالنصائح الغربية او الرهانات الساقطة.

3- تقاعس الحكومة عن اتخاذ اجراءات وخطوات جدية وفاعلة لوقف مزاريب الهدر والفساد، ومع ما تؤكد عليه اكثرية اطراف الحكومة، سواء بما خص خفض ارقام الموازنة مبالغ كبيرة ودون الحاجة الى الاقتطاعات الاجتماعية او الرسوم، وتكفي الاشارة - بحسب المصدر - الى الابقاء على الموازنات المنقحة لعشرات المؤسسات والوزارات بدءا من وزارة الاتصالات، الى الاتفاق السياسي على الاف الجمعيات الوهمية، الى عشرات الابواب التي يحصل فيها هدر للمال العام، وكذلك الامر بما خص الحد على الاقل من التهرب الجمركي والضريبي، في كل مرافق الدولة، وفي عدم الاقتراب من محميات سياسية - مالية يمكن ان تجني منها المالية العامة مئات مليارات الليرات، اذا لم يكن مئات ملايين الدولارات من المحاصصات على الاملاك البحرية والنهرية والبرية، الى الكسارات والمرامل ومئات الابواب المماثلة.

لذلك يخلص المصدر الى التأكيد ان ما جاء في تقريري موديز وصندوق النقد الدولي، كلام حق يراد منه باطل، حتى ان المؤسسات المالية الدولية التي تتحرك بإيعاز اميركي يمكن ان تذهب نحو خطوات سلبية أوسع، حيث ان الاميركي يمارس ضغوطاً مثلاً على المستثمرين من الخليج لعدم الاستثمار في لبنان.