محمود زيات

لن يتوقع احد من القوى والتيارات السياسية، ان تُحدث الزيارة المتوقعة لرئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل الى الجنوب اجواء الشحن والتوتر التي سادت في جولتيه الى الجبل وطرابلس، فالطريق الى الجنوب ستكون «سالكة وآمنة»، وهو سيشعر انه في «مناطق صديقة»!.

فلا محظور سياسياً لاحد في التواجد في اي منطقة، وفق ما قال الوزير علي حسن خليل وما يمثل، واذا كان الوزير باسيل قد مهد لجولته الجنوبية المقررة يوم الاحد المقبل، باشارات سريعة وضعت الجولة في سياقها الطبيعي، فهو يستظل بمكانة رئيس الجمهورية لدى حليفه «حزب الله»، وبالدور المحوري الذي يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري في معالجة الازمة السياسية ـ الامنية التي اندلعت في الجبل، وفي فكفكة الخلافات القائمة بين اقطاب في السلطة، اكان بالازمة بين الحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، و«تيار المستقبل» التي طُوِيَت بعشاء في عين التينة، ام بالاشتباك السياسي ـ الامني في الجبل، بين الحزب التقدمي الاشتراكي و«التيار الوطني الحر» معطوفا بحليفه الدرزي النائب طلال ارسلان، والذي رافقت شظاياه زيارة باسيل الى عاصمة الشمال طرابلس.

وبرأي اوساط جنوبية، فان «زائر الجنوب»، الخارج من «وكر الدبابير» الذي «فاع» في وجهه في الساحتين الدرزية والسنية، سيكون في منطقة نفوذ «الثنائي الشيعي» الذي لم يُسلِّم بمنطق «الخصوصيات و«بوابات» المناطق، وان حرص على لجم الخطاب الاستفزازي تجاه حليف الرئيس بري وليد جنبلاط، ولعل باسيل الذي تخيم عليه مظلة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، حليف «حزب الله» في الملمات الصعبة، سيستفيد من توقيت الزيارة المتزامنة مع الذكرى الثالثة عشرة للعدوان الاسرائيلي على لبنان، وبالرغم من «هفوات» لم تصل الى حد السقطات، فان له من الرصيد السياسي ما يكفي ليشعر انه في منطقة «صديقة»، لا بل شريكا لحليفه في الانتصار على العدوان الاسرائيلي، سيما وان كثيرين، في الداخل والخارج، اخذوا على باسيل ذهابه بعيدا في تبني خطاب المقاومة، بالرغم من اتهامات وجهت اليه على انه يجامل ويناور ويمارس التكتيك السياسي للوصول الى بعبدا.

ثمة من يرى ان لباسيل حاجة سياسية من الجولة الجنوبية، في وقت بدأ معسكر الاخصام يجمع قواه واوراقه لمواجهته سياسيا، فيما حسابات «التيار» تفوق هذه الحسابات، لما للجنوب من قيمة سياسية في زمن الكباش الدائر حول مفاوضات ترسيم الحدود البحرية والبرية، وخارطة الطريق التي وضعها باسيل لجولته الجنوبية جعلت من المنطقة الحدودية مع فلسطين المحتلة مسرحا لها، بحيث تسمح لباسيل الابتعاد عن الملفات الداخلية الشائكة التي فجرت ازمة بين «التيار» وبقية القوى التي ارادت منه ان يحصل على تأشيرة سياسية لـ«اقتحام» خصوصيات مناطقهم، بحيث تتوفر لباسيل امكانية ممارسة دوره كوزير للخارجية يُمسك بالملفات التي تُعنى بالصراع مع العدو، سيما في ملف البلوكات البحرية وترسيم الحدود ولبنانية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي لبلدة الغجر السورية المحتلة، بما ينسجم مع رفض الرئيس بري فصل مساري الترسيم واعتبارهما مسارا واحدا، وهو ما يريده «حزب الله»، الامر الذي ازعج المبعوث الاميركي وبعض الداخل.

في الازمة السياسية والامنية التي اندلعت في الجبل وطرابلس، ترى الاوساط، ان باسيل اكتسب شعبية في اوساط الجمهور الشيعي، استنادا الى خصومة هذا الجمهور لقوى ما كانت تسمى «14 آذار»، وبخاصة «القوات اللبنانية» والحزب التقدمي الاشتراكي وبصورة اقل حدة «تيار المستقبل»، في وقت ما زال هذا الجمهور مستنفرا من الاستفزاز الجنبلاطي المتعلق بـ «لبنانية» مزارع شبعا والتشكيك بدور المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وثمة من يرى ان باسيل يواجه قوى يسعى «الثنائي الشيعي» جاهدا الى الابتعاد عن مواجهتها، لتجنب اي عصبيات طائفية او مذهبية، وباسيل يدرك ان تحالفه المتين مع «حزب الله» يفرض عليه مسؤوليات تدفعه للتسليم بان الحزب هو ضابط الايقاع في الخصومة السياسية «المُدَوزنة» مع الرئيس بري وحركة «امل»، وهي خصومة طواها سيلٌ من الازمات المتلاحقة بين مختلف القوى السياسية، الامر الذي افضي الى تعايش سياسي ولو نسبي، مع الساحة الشيعية، وهو تعايش ما زال غير متوفر في الساحتين السنية والدرزية، بالرغم من تحالفه مع النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب، وتخلص الاوساط الى التأكيد على انه في «زمن الخصوصيات» المناطقية والطائفية، لا خصوصية للجنوب الا خصوصية المواجهة مع الاحتلال، وبالتالي، فان من حق كل من يُسهم في هذه المواجهة، كل من موقعه، ان يتعامل مع الجنوب انطلاقا من انه شريك في هذه الخصوصية، والشريك لن يحتاج في هذه الحالة الى جولة مُدَجَّجة، لا في شكلها ولا في مواقفها التي يمكن ان تُعقد مسار الحلحلة الجارية في ازمة الجبل.