بولا مراد

يُدرك كل الفرقاء أن هذا الاسبوع سيكون حاسما في ملف حادثة الجبل وتبعاته على الوضع الحكومي. فالفشل بانتاج حل للأزمة التي نشأت على خلفية مقتل مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، وعدم انعقاد مجلس الوزراء خلال أيام سيعني الدخول في نفق قد لا يكون الخروج منه سهلا أو متاحا خاصة في ظل استخدام معظم الفرقاء ورقة الانسحاب من الحكومة او اسقاطها لفرض شروطهم.

وكان قد سبق الحديث عن احتمال انسحاب وزراء «التقدمي الاشتراكي» من مجلس الوزراء وامكانية انضمام وزراء «القوات» اليهم تهديد مبطن من قبل تكتل «لبنان القوي» بإسقاط الحكومة في حال أصر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط على رفض تسليم كل المطلوبين وعدم احالة الحادثة الى المجلس العدلي. وتشير مصادر «التكتل» الى انه رغم المحاولات الحثيثة التي يبذلها العونيون لعدم تحويل الخلاف الى خلاف درزي - مسيحي وابقائه في اطاره الدرزي - الدرزي، الا انهم بالوقت عينه يعون تماما ان ما حصل في الجبل كان يستهدفهم ولا يستهدف الحزب «الديموقراطي اللبناني»، من هنا حرصهم على ان تأخذ الامور مجراها الامني والقضائي من خلال تسليم كل المطلوبين دون استثناء وإحالة القضية على المجلس العدلي، لأن تبسيطها ليس من مصلحة أحد وسيؤدي الى تكرارها في اي مكان وزمان. وتضيف المصادر: «تأكيد وزيري الدفاع والخارجية ان ما حصل كمين وليس حادثة فردية أمر لا يمكن تخطيه، واذا كنا لن نحيل محاولة اغتيال أحد الوزراء الى المجلس العدلي فأية قضية تستحق الاحالة اليه عندها؟»

وبالرغم من استسهالها التلويح بورقة الحكومة، تعي القيادات اللبنانية بأن اهتزاز الجسد الحكومي في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها الوضعان الاقتصادي والنقدي كما الوضع في المنطقة بشكل عام، يهدد بدخول البلد في نفق مظلم على الاصعدة كافة، وهو ما يتجنبه حتى الساعة معظم الفرقاء رغم التحديات التي يواجهونها.

فجنبلاط الذي لا يتوانى بالحديث عن محاولات داخلية لتحجيمه بامتدادات خارجية، وان كانت فكرة قلب الطاولة على الجميع تجول في رأسه، الا أنه لن يجازف بالخروج من الحكومة مع «القوات» ما دام حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري ليسا بصدد مجاراته بالموضوع. وفي هذا الاطار تقول مصادر مطلعة على الحراك الحاصل لحل ازمة الجبل وأزمة الحكومة: «انسحاب جنبلاط الآن من مجلس الوزراء قد يبقيه خارجه حتى انتهاء ولاية العماد ميشال عون، وهو لا شك لن يكون له مصلحة بذلك وبخاصة ان موعد الانتخابات النيابية لا يزال بعيدا كي يكون الوجود في صفوف المعارضة مفيدا له».

وما ينطبق على «التقدمي الاشتراكي» ينطبق أيضا على «القوات اللبنانية»، اذ أنه وبالرغم من ان فكرة الانسحاب من الحكومة قد تغري في وقت من الاوقات قيادة معراب وبخاصة للرد على ما تقول انه «محاولات باسيل الاسئثارية» ما يدفعها الى لتلويح بها عند كل محطة اجتذابا لمكاسب سياسية وشعبية، الا ان رئيس الحزب سمير جعجع يدرك انه من المبكر جدا لعب ورقة الانسحاب قبل 3 سنوات من انتهاء ولاية عون.

أما حزب الله فغير مرتاح بتاتا لما آلت اليه الأمور بعد حادثة الجبل. فهو الذي يتمسك بالاستقرار الامني والسياسي اقتناعا منه بأن التحديات التي تمر بها المنطقة لا تمنح اللبنانيين ترف المجازفة بسياسة ربط النزاع المستمرة بين مختلف الفرقاء منذ العام 2016، لا يتردد في بذل كل الجهود الممكنة لتقريب وجهات النظر بين الاطراف المتصارعة، وان كان لا يخجل بإعلان انحيازه لحليفه النائب طلال ارسلان وبخاصة ان علاقته بجنبلاط ليس بأفضل أحوالها منذ الخلاف على معمل الاسمنت في عين دارة.

ولا ينفك «التيار الوطني الحر» يردد تمسكه بالحكومة وبإعادة تفعيل عملها من منطلق ان مكتسباته فيها لا يمكن ان تتحقق في اي حكومة أخرى، لكنه في الوقت عينه يعتبر ان لديه هامشا واسعا من التحرك، اي ممارسة الضغوطات والتهديدات، لتحسين شروط التفاوض وصولا لتحقيق القسم الأكبر من مطالبه.

وفي خضم كل هذا، يتفرج رئيس الحكومة سعد الحريري على تقاذف الفرقاء كرة التعطيل غير قادر على اعلان انحيازه الكامل مع فريق بوجه آخر. كل ما يعني الحريري هو استمرارية حكومته وعملها لاقتناعه هو الآخر بأن سقوطها قد لا يسمح بتشكيل أخرى في المدى المنظور نظرا للتعقيدات الكبيرة في المنطقة والاحتمال الكبير باحتجاز الورقة اللبنانية من قبل لاعبين اقليميين ودوليين سيحاولون ابتزاز أخصامهم بها، وهو ما شهدناه في أكثر من محطة في السنوات الماضية.