نبيه البرجي

يفاجئنا برنار ـ هنري ليفي في رده على سؤال «لماذا يكره الاسرائيليون الايرانيين؟»، مع أن قوروش هو من أنقذ اليهود من السبي البابلي...

اذ نامل ألاّ نثير عصبية الذين ينظرون الى المشهد من وراء الحائط، ننقل رأي الفيلسوف الفرنسي (اليهودي) برنار ـ هنري ليفي «لأن الاسرائيليين والايرانيين يتشابهون في تكريس ديناميكية التفاعل بين اللوثة الايديولوجية واللوثة التكنولوجية».

الاسرائيليون يتخوفون من استشراء «ثقافة التكنولوجيا» لدى الايرانيين. الموساد بذل جهوداً خارقة للوصول الى المختبرات، والى الأدمغة، في ايران.

ما ينشر في معاهد البحث الاسرائيلية يشير الى الذهول من «الايقاع الهيستيري» لدى الايرانيين توصلاً الى قيام «دولة تكنولوجية»، وعلى اساس أن التفوق التكنولوجي، على تخوم دول قبلية، هو السبيل المثالي لتحقيق اختراقات جيوسياسية، وجيوستراتيجية، عاصفة.

في هذا السياق، يلاحظ وزير الخارجية الفرنسية السابق أوبير فيدرين أن العديد من الدول، والمجتمعات، العربية تحول الى حطام، في حين أن الولايات المتحدة بدأت تعاني من اختلالات بنيوية، على المستوى الاستراتيجي، بسبب انتشارها على امتداد الكرة الأرضية. هذا ليتوقع «أن يحدث تقاطع، في لحظة ما، بين الأمبرطوريات الكبرى والأمبراطوريات الصغرى، ويفضي الى بلقنة المنطقة العربية».

في باريس، يقال أن أكثر ما يخيف الاسرائيليين حصول توافق ما، ذات يوم، بين واشنطن وطهران. لهذا كان التحالف غير المعلن بين بنيامين نتنياهو وأكثر من بلاط عربي من أجل الضغط المبرمج على الادارة الأميركية لقطع الطريق على أي تفاهم (تفاهم منتصف الطريق) بينها وبين آيات الله.

المسألة تعدت ذلك الى محاولة اقناع دونالد ترامب بتنفيذ عمليات عسكرية صاعقة لتقويض النظام التيوقراطي في ايران، بعدما كانت هذه المحاولات قد أخفقت في عهد باراك اوباما، وقد انتهج طريقاً آخر بتوقيع اتفاق فيينا، الأمر الذي أثار الذعر في اسرائيل من أن يشكل الاتفاق نقطة انطلاق نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، مع ما لذلك من تداعيات كارثية على الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

الذي زاد، في حـينه، من حدة الاحتقان الاسرائيلي،

أن اوباما لم يكن يثق بفاعلية الأنظمة العربية الحليفة، بل انه سبق خلفه في اعتبار هذه الأنظمة في منتهى الهشاشة، ولا تصلح أن تكون لاعباً مؤثراً في المسارات الاستراتيجية للمنطقة.

البلقنة؟ حتى أن فيدرين يتوقف عند شخصية رئيس الحكومة الأثيوبية آبي احمد علي الذي قد يكون مأخوذاً بالدور التاريخي لبلاده (مملكة يهوذا). أثيوبيا لن تبقى «أمبراطورية الماء» بل قد تتحول الى قوة عسكرية تؤثر في منطقة وادي النيل، وحيث التعثر السياسي كما التعثر الاقتصادي.

أيام حساسة تعيشها المنطقة. الايرانيون رفعوا نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.67 % الى 4.50 % في المئة ما يمكنهم من انتاج الكهرباء. هذه مجرد خطوة نحو العودة الى نسبة الـ 20 %. بعد ذلك، يسهل القفز، وفي مدة قياسية، الى الـ 90 %. بالتالي تأمين المواد الانشطارية اللازمة لصناعة القنبلة.

ايمانويل ماكرون الذي تحادث مع دونالد ترامب بلغة مخملية، وجاراه في كل طروحاته، بعث بكبير مستشاريه ايمانويل بون الى طهران لحثها على التوقف عن اي خطوة أخرى في سياق الحد من التزاماتها في الاتفاق النووي، علّ ذلك يحد من مستوى التوتر في العلاقات بين طهران وواشنطن.

الايرانيون غاضبون من التلكؤ الأوروبي في صياغة آلية فاعلة للالتفاف على العقوبات الأميركية. صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية خرجت بهذا المانشيت «العاجزون». الأوروبيون ليسوا قادرين على فعل اي شيء ما دامت شركاتهم الكبرى تنظر الى عيون رجال وزارة الخزانة الأميركية على أنها... عيون الشيطان!

الخبراء يستغربون كيف أن الايرانيين الذين لا يعوزهم الدهاء، ولا تعوزهم الرؤية، راهنوا على الموقف الأوروبي. حين تكون هناك أميركا لا تكون هناك أوروبا. لا أحد الا ويذكر ما فعله الأميركيون بشارل ديغول. أيضاً ما حدث لفرنسوا ميتران حين فكر باطلاق عملية ديبلوماسية أوروبية لتسوية الصراع في الشرق الأوسط.

آنذاك قمة أوروبية في مدينة البندقية. في اليوم نفسه، كتب توماس فريدمان مقالاً استعار عنوانه من عنوان رواية الألماني توماس مان «موت في البندقية». ليس فقط اعلان موت المبادرة بل اعلان موت القارة.

اتفاق فيينا لم يعد أكثر من قصاصات من الورق بمجرد ان خرجت منه الولايات المتحدة. في رأي الألمان أن على الايرانيين أن يضبطوا أعصابهم (ويشدوا الأحزمة) الى أن تحين الانتخابات الرئاسية الأميركية. اذا خرج دونالد ترامب من البيت الأبيض، الأفضل أن يرى الرئيس الجديد مدى التزام ايران بكل بنود الاتفاق لأن هناك داخل الحزب الديمقراطي من يرى ادخال بعض التعديلات عليه.

المشكلة الآن أن الرئيس الأميركي الذي يدعو آيات الله الى التفاوض يريد تفكيك البرنامج النووي بالكامل (وهذه هي الرغبة الاسرائيلية). كيف للايرانيين، والحالة هذه، أن يضعوا أعصابهم في الثلاجة. مسلسل العقوبات قد يوصل البلاد الى اللحظة القاتلة.

لا مجال أمام الايرانيين للأخذ بديبلوماسية حائكي السجاد، ولا بصراخ أئمة المساجد. ما العمل؟ مثلما اسقطت الطائرة الأميركية، التعامل مع احتجاز ناقلة النفط باجراء مماثل. دونالد ترامب لا يفهم الا بهذه اللغة. لن يخوض الحرب. لكنه يمارس القتل بخيوط العنكبوت...