دوللي بشعلاني

بدأ الوضع في الجبل يعود الى طبيعته بعد حادثة قبرشمون التي حصلت الأحد ما قبل الماضي، في الوقت الذي يقوم به رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بدور «الإطفائي» للأجواء النارية التي سادت خلال الأيام الأخيرة بين رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان، ورئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط على خلفية قتل مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب المحسوب على إرسلان وإثارة الفتنة في الجبل. كما يسعى مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم من خلال اللقاءات والإتصالات التي يُجريها مع جميع الأفرقاء للمحافظة على مصالحة الجبل وأمنه ووحدة الدروز والعيش المشترك مع المسيحيين.

غير أنّ تأمين انعقاد مجلس الوزراء يوم الخميس المقبل أو أي يوم آخر من هذا الأسبوع، لإنهاء إقرار الموازنة العامة وتجنيب لبنان الوقوع في تعطيل حكومي سينعكس سلباً على قروض ومساعدات مؤتمر «سيدر» كما على الوضع الداخلي اللبناني حتماً، لم يتأكّد بعد. وبحسب مصادر سياسية عليمة، فإنّ مساعي الرئيس برّي قد نجحت في تخفيف الإحتقان الذي ساد العلاقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري وجنبلاط خلال اللقاء الثلاثي الذي جمعهم على العشاء في دارته، إلاّ أنّ إعادة الثقة بين الزعماء الدروز لم تتأمّن بعد في ظلّ إصرار إرسلان وفريقه السياسي على إحالة جريمة قبرشمون الى المجلس العدلي، ورفض جنبلاط وفريقه لهذا الأمر، على اعتبار أنّه هو الذي كان «مستهدفاً» من هذه الحادثة، من وجهة نظره.

وتقول بأنّ سبب رفض إحالة قضية قبرشمون الى المجلس العدلي من قبل جنبلاط ليس لعدم انطباقها، بحسب رأيه، على الجرائم التي تُحال الى هذا المجلس مثل بعض جرائم الإغتيالات السياسية السابقة، إنّما لأنّه يعلم تماماً بأنّ «تكتّل لبنان القوي» قادر بعدد وزرائه التصويت لصالح الإحالة، وهذا ما يريد تجنّبه، كما هو قادر، في الوقت نفسه، على تعطيل انعقاد مجلس الوزراء الى ما يشاء، والى ما لا نهاية. ولهذا سارع جنبلاط ورئيس «القوّات اللبنانية» سمير جعجع للتلويح باستقالة وزرائهما من الحكومة في إطار المناورة. ولكنّ التسوية الرئاسية بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والحريري التي حصلت جرّاء تسوية إقليمية، وبدأت تتزعزع أخيراً مع تعرّضها لبعض الخضّات، لا يُمكنها إلاّ أن تستمرّ طوال العهد، على ما شدّدت، رغم الخطاب المضاد لها الذي يشتدّ حيناً ويهدأ حيناً آخر.

أمّا تعطيل مجلس الوزراء بعدم اكتمال النصاب، فلن يخدم الحكومة، ولا البلد، على ما أضافت، سيما وأنّ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة الأخرى، تنتظر من الحكومة الحالية، القيام بالإصلاحات المطلوبة لتغيير الوضع المالي والإداري في لبنان بهدف تحريك العجلة الإقتصادية. وتنقل المصادر عن سفراء أجانب دهشتهم من تلهّي الأفرقاء السياسيين بالمناكفات والكيديات، في الوقت الذي يقف فيه البلد على حافة الهاوية من الإفلاس بفعل تراكم الديون وفوائدها عليه، وفي ظلّ مراقبة المجتمع الدولي للأداء الحكومي.

ونصح السفراء المسؤولين اللبنانيين بلملمة الوضع داخلياً، وعدم الذهاب نحو الإنفلات الأمني سيما وأنّ الدول الخارجية يهمّها الحفاظ على الأمن والإستقرار في البلاد رغم كلّ شيء. ولهذا تداعت في العام الماضي لعقد ثلاثة مؤتمرات عسكرية وإقتصادية وإجتماعية بهدف دعم لبنان على جميع الأصعدة لكي ينمو ويتطوّر ويتمكّن من الإزدهار شيئاً فشيئاً.

وأكّدت المصادر نفسها بأنّ الزيارة التي أجراها برّي الى قصر بعبدا الإثنين، صبّت في إطار التنسيق مع الرئيس عون ووضعه في أجواء اللقاءات التي أجراها، والسعي معاً للضغط على بعض الأطراف في اتجاه انعقاد مجلس الوزراء بهدف تمرير الموازنة العامّة سريعاً، إذ لا يجوز تعطيل جلسات الحكومة الى ما لا نهاية، على ما قال رئيسها سعد الحريري. كما قدّم برّي إقتراحات عدّة بشأن قضية قبرشمون (أو البساتين) وطلب إحالتها الى المجلس العدلي، منها إدراجها على جدول أعمال مجلس الوزراء والتصويت عليها بشكل لا يُحيلها الى هذا المجلس بل الى المجلس العسكري وذلك لعدم كسر أي فريق، أو اقتراح عدم إدراجها على جدول الأعمال وتأجيل البتّ بهذا الموضوع الخلافي الى وقت لاحق، سيما وأنّ إثارته حالياً قد تُفجّر الحكومة برمّتها. علماً أنّ فريق باسيل وإرسلان يصرّ على عدم حضور أي جلسة وزارية تقوم بتغييب جريمة قبرشمون عن جدول أعمالها، ما يُعقّد الأمور التي يودّ كلاً من عون وبرّي والحريري حلحلتها قبل استمرار التعطيل طويلاً، وقبل أن يُقدم جنبلاط والقوّات على الإستقالة الفعلية من الحكومة بهدف تطييرها.

كذلك فإنّ المجتمع الدولي يُراقب عمل الحكومة في المرحلة الراهنة، وفي حال استمرّ التعطيل ولم تعقد جلساتها لتسيير أعمالها، فإنّ ذلك سيكون مؤشّراً سيئاً بالنسبة له فيما يتعلّق بعدم مسؤولية الأطراف السياسية تجاه وعودها لدول الخارج، كما لشعبها في الداخل.. ويأمل أن تتكلّل الجهود بإنهاء الخلاف السياسي بين الدروز أنفسهم وبينهم وبين المسيحيين. وعن جريمة قبرشمون، يرى المجتمع الدولي أنّ السلاح المتفلّت في البلد، لا يجب أن يبقى في يدّ الأحزاب والمناصرين بل في يدّ القوى الشرعية المسلّحة فقط، الأمر الذي يجعل الجيش والأجهزة الأمنية تُمسك زمام الأمن في يدها.

وبما أنّه حتى الساعة لم يتمّ تسليم المطلوبين الفعليين الذين ارتكبوا جريمة قتل مرافقي الوزير الغريب، أي كلاً من رامي أكرم سلمان وسامر نديم أبي فرّاج، على ما ذكرت، فإنّ كلّ فريق سيبقى مصرّاً على موقفه من مسألة إحالة الحادثة الى المجلس العدلي أو عدمها، رغم معرفته بتداعياتها السلبية على عمل الحكومة. غير أنّ كلاً من عون وبرّي الحريصين على التسوية وضرورة الحفاظ عليها، سيتدخّلان لكي يتمّ تسليم المرتكبين سيما وأنّ العدالة يجب أن تأخذ مجراها، إذ لا يجب أن يكون أي أحد فوق سقف القانون.

من هنا، أكّدت المصادر نفسها أن الإتصالات واللقاءات المكثّفة لن تتوقّف بهدف التخفيف من تداعيات حادثة الجبل على الحكومة، كما على الشعب اللبناني المتضرّر الأول من هذا النوع من الحوادث، إذ تنعكس عليه بشكل مباشر. كذلك فإنّ أحداً في البلد لا يودّ إثارة الفتنة بين أبناء الشعب، ولهذا، فإنّ القادة يعملون على تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين سياسياً من أجل وقف تداعياتها، وإلاّ فإنّ الإصرار على المواقف سيؤدّي الى شلّ عمل الحكومة.

ونبّه المجتمع الدولي من أن يؤدّي التعطيل الحكومي في حال استمرّ طويلاً الى استقالة الحكومة الحالية، الأمر الذي يُدخل لبنان في دوّامة التعطيل والديون وعدم الحصول على مساعدات وقروض المؤتمرات الدولية. فضلاً عن أنّ الفراغ الحكومي، بحسب رأيه، يطول في لبنان إذ أنّ تشكيل الحكومة في لبنان يتطلّب أشهراً طويلاً، ما يزيد في الطين بلّة، وهو ما يريد المجتمع الدولي عدم حصوله حالياً في البلد، بل قيام المسؤولين بما في وسعهم لإنقاذه من الإنزلاق نحو الهاوية، أو نحو الإنفجار.